بلديات الرأي الواحد،بلديات التجمع الدستوري تكرس بامتياز مقولة”معيز ولو طارو”/بلديةقصرهلال نموذجا؟؟؟

كتبها mourad regaya ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 21:17 م

Normal
0

21

false
false
false

FR
X-NONE
AR-SA

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-fareast-font-family:”Times New Roman”;
mso-fareast-theme-font:minor-fareast;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-bidi-font-family:Arial;
mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

بلديات الرأي الواحد تكرس

مبدأ"معيز ولو طاروا"-بلدية قصرهلال نموذجا؟؟؟

نم هانئا قرير العين أيها المناضل أحمد عيّاد-البلديات

في سنة2009 لا تزال مرفوضة لأنها مفروضة.

لقد سعدت كثيرا كالعادة لحضور الملهاة المبكاة  المسماة "الجلسة التمهيدية" للمجلس البلدي التجمعي الذي انعقد عشية يوم الثلاثاء 30 جوان2009 والتي انطلقت بعد ساعة تقريبا من موعدها المحدد في اطار بيئي سيء رديء للغاية مرتبط بتداعيات السوق الأسبوعية"أنفلونزا خنازير قصرهلال" المكرسة لاغتيال البيئة والمحيط المحليين اضافة الى تغييب الذوق والحس الحضاريين لانتشار البذاءة صوتا وصورة برضى وزارة الداخلية والتنمية المحلية برغم اللافتات المرفوعة المبشرة بانبلاج جودة الحياة،وبرغم الجائزتين اللتين تحصلت عليهما قصرهلال،واحدة للجنة حي الزيتونة،وواحدة أخرى تقديرية مما وفر الغطاء الشرعي لهيئة بلدية مفلسة أدمنت اغتيال القانون ودوس مقولة"ادارة تخدم المواطن"والتي رفعت مكانها مقولة أخرى"ادارة تغتال المواطن وحقوقه بسلطة القانون" ولعل عزائنا الوحيد اقتراب موعد الحسم عبر الانتخابات البلدية لسنة2010؟؟؟

لقد وجدت نفسي دون أن أشعر أقارن بين جلسة اليوم والجلسات السابقة،ماهو الثابت وما هو المتحرك بينهما،أما الثابت فهو انعدام احترام المواطن الدافع للجباية المحلية الذي اقتصر حضوره اليوم على عشرة أو خمسة عشرة نفرا من مجموع أربعين ألف،وغياب مضخمات الصوت وتغييب الوثائق المكتوبة والرسوم البيانية والخرائط أو الأمثلة التي لا يمكن منها المواطن حتى لا تكون حجة بين يديه للمحاسبة وللمتابعة،ولا حتى الماء الصالح للشراب بنوعيه المعدني والحكومي الذي سأل رئيس الجلسة رئيس البلدية عن غيابه فأجاب دون وجل "ليس عندنا ماء"وكل ذلك يدخل في اطار كرم الضيافة التجمعي ذلك أن التجمع الذي يمثله المجلس البلدي يحتكر السلطة ولا يمون حتى بالماء على دافعي الضرائب ،فما أدراك بالامكانيات وبالخدمات وصولا الى تكريس حقوقهم وكرامة مدينتهم  عبر البرامج التلفزية الفاضحة للقصور وللادمان في مخالفة القانون ودوس الكرامة الفردية والجماعية؟؟؟

ويدخل في اطار الثابت أيضا استقرار شكاوى المواطنين التي ترحل عنوة وبكل اصرار وترصد من جلسة الى أخرى ،هؤلاء المطالبين بحقوقهم فلا يحصلون عليها لا بالتسوية وبالانصاف ،ولا حتى بالرد عليها طبقا للعرف الاداري في ظرف ثلاثة أسابيع عبر نكتب الضبط الذي يبدو بأنه جمد وانقطع دوره كهمزة وصل في تلبية جزء بسيط من كرامة المواطن،والغريب في الأمر أن المطالبين والمتدخلين هم في معظمهم تجمعيون مما جعلهم أمام يأسهم من ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصرهلال بعد 7 أفريل2009،دار لقمان على حالها….العيب فينا؟؟؟

كتبها mourad regaya ، في 28 يونيو 2009 الساعة: 19:23 م

 

قصرهلال بعد7 أفريل2009

دار لقمان على حالها…العيب فينا؟؟؟

 

يمثل هذا التاريخ لمن يتابع بانتظام فصول ومقالات هذه المدونة حلول معتمد جديد بمدينة قصرهلال ، وبرغم عدم اسناد عديد أهالي قصرهلال أهمية كبرى على التغيير الحاصل في مستوى الادارة المحلية على اعتبار غياب هامش التحرك والمبادرة وعلى اعتباروجود المعتمد الجديد نفسه محكوما بمخلفات وبتوجهات المعتمد السابق الذي وصل بالمدينة وبأوضاعها الى طريق مسدود يسجل له ولأنصاره في ذاكرة مدينة قصرهلال المحاصرة، المضحى لها،المتنكر لها بامتياز وبتألق كامل؟؟؟

لقد تناولت هذا الأمر في تدوينة سابقة تحمل عنوان"هل للمعتمدين الحق في الأصل التجاري"عبر التعريج على ظاهرة تحييد ومحاصرة"حيتان قصرهلال"و"مجموعات الضغط" الاقتصادية والتجمعية والموسيقية لأي موظف جديد اداري أو مالي أو تربوي واكرام وفادته ومغادرته هدايا عينية ومنحا مادية شبيهة بجهاز العروس المتضمن للتلفزات المسطحة ولأجهزة التبريد والتجميد والمكيفات وأنواع عديدة أخرى من وسائل الراحة المعجلة بحلول فرحة الحياة حتى يصبح مرتهنا لديها ولا يعصى لها أمرا أو حتى اشارة عابرة؟؟؟

ولعل الع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ويكذبون على الاطفال أيضا…بلدية الأطفال…حديقة بلدية الأطفال نموذجا؟؟؟

كتبها mourad regaya ، في 20 يونيو 2009 الساعة: 13:59 م

ويكذبون على الأطفال أيضا

بلدية الأطفال…حديقة بلدية الأطفال

نموذجا؟؟؟

لقد شهدت مدينة قصرهلال المتميزة بجمودها المرضي وبادمان مسؤوليها على الرداءة والرضى بالدون وبتغييب حقوق وآمال مواطنيها في الحياة الكريمة والغد الأفضل جملة من التظاهرات اتخذت من الأطفال المغلوبين على أمرهم مثل الكهول ضحية مميزة متميزة لها وهي تظاهرات لا تغني ولا تسمن من جوع مثل اجتماع بلديات الأطفال بولاية المنستير وتظاهرة"الطفل والبيئة"والاحتفال المزدوج خلافا للسائد بعيدي الآباء والأمهات قبل وبعد حلولهما؟؟؟

وبرغم علمي بذكاء الطفل التونسي عموما ومن بينه الطفل الهلالي أيضا لتألقه المدرسي والابداعي والفكري في أكثر من مناسبة محلية أو وطنية فان منظمة الطفولة التونسية الخاضعة للتجمع الدستوري الديمقراطي الذي يعاني في قصرهلال من بطالة تقنية أكيدة أبت الا أن تزج بأبناءنا الأطفال عبر توظيفهم السياسي السمج في خدمة أهداف أصبح يقاطعها الكبار لعلمهم لقطيعتها مع الواقع المعيش للمواطن.وبرغم علم منظمة الطفولة التونسية بحراجة وضع الأطفال في قصرهلال الذين يعانون من التهميش ومن التجاهل ومن غيا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بلدية قصرهلال تفتتح مقهى صيفيا جديدا قبالة دار التجمع ودار الشباب،فأين برنامج “الحق معاك”؟؟؟

كتبها mourad regaya ، في 14 يونيو 2009 الساعة: 19:35 م

بلدية قصرهلال تفتتح مقهى صيفيا

جديدا قبالة دار التجمع ودار الشباب

فأين برنامج "الحق معاك"

لم تمض سوى فترة قصيرة علىتناول برنامج "الحق معاك" مشكورا عبر شكوى مواطن هلالي قلت حيلته أمام فوضى حفلات الأفراح في الهواء الطلق التي التزم رئيس بلدية قصرهلال المنتهية صلاحيتها وصلوحيتها وهي في آخر دورتها النيابية بوضع حد لها حتى طلعت علينا ذات البلدية المدعومة بسخاء وثبات من وزارة الداخلية والتنمية المحلية بانجاز آخر غير مطابق للمواصفات وهو انجاز استهلاكي متميز يقع على خطوات من معرض الكتاب الذي تحتضنه دار التجمع الدستوري الديمقراطي وفي مواجهة دار الشباب وبين جنبات السوق الأسبوعية؟؟؟

وقد تساءلت لماذا والحال تلك والبلدية على ما هي عليه من اعتماد مقولة"الفوضى الخلاقة"عبر السماح بانتصاب بائعي الغلال والفواكه في كل مكان،وعبر السماح ببيع اللمج داخل سوق القطن وداخل السيارات الصغيرة غير المجهزة،وعبر السماح للباعة المتجولين غير الخاضعين لأي رقابة تذكر صحية أو اقتصادية،وحتى الدواجن الحية،لماذا لم تحصل هذه البلدية العتيدة الفريد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ويحدثونك عن جودة الحياة…..وعن مدينة يستطاب فيها العيش؟؟؟

كتبها mourad regaya ، في 10 يونيو 2009 الساعة: 18:48 م

 

ويحدثونك عن جودة الحياة…وعن مدينة يستطاب فيها

العيش..فهل أن استضافة جحافل الحشرات السامة

تدخل في هذا الاطار؟؟؟

ان لمن علامات قيام الساعة أن تتحول البلديات المنصبة وغير المنتخبة الى مروجة للكذب وللضحك على الذقون مدفوعة في ذلك بمداخيل الجباية المحلية التي يطالب المواطنون المغلوبون على أمرهم بتوفيرها درّا للمال المشترك الضروري لانجاز رتل المشاريع الذي حققته بلدية قصرهلال خلال هذه الدورة المشرفة على الانتهاء؟؟؟

ومن الأكيد بأن المواطنين قد لا حظوا اللافتات البيضاء والملونة أحيانا المبشرة بجودة الحياة وبمدينة نظيفة يستطاب فيها العيش ومن حسن حظنا وحظ الفائمين على الأمر أن ساعدت جحافل الناموس والحشرات السامة بأنواعها على تسفيه هذه الشعارات الكاذبة التي أصبحت لا تنطلي حتى على الأطفال،فما أدراك بالكهول والشيوخ؟؟؟

الجميع يتذكر بأنه كان في سالف الأزمان وفي عهود بعض البلديات السابقة ،المنصبة ديمقراطيا أيضا قيام المصالح البلدية مستعملة في ذلك بعض الامكانيات البدائية كالجرارات لرش بعض الأدوية والمبيدات خاصة في ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البلدية مرفوضة مفروضة،مقال مهدى الى المجلس البلدي بقصرهلال رافع شعار الجودة الغائبة للحياة

كتبها mourad regaya ، في 8 يونيو 2009 الساعة: 09:31 ص

 

العمل البلدي بين خدمة المواطن والتّوظيف السّياسي الضّيق



بقلم: محمد رضا سويسي
تعتبر وظائف البلديّة ومهامّها تجاه المواطن واحدة من أقرب الخدمات لهذا المواطن وأكثرها التصاقا بحياته اليوميّة في مختلف وجوهها فهي واحدة من أكثر الهيئات أدوارا وأشدّها تنوّعا وأهمّية في حياة الفرد والجماعة. فالبلديّة هي أوّل مكان يقصده المواطن لتسجيل مولوده الجديد في دفاتر الحالة المدنيّة، كما أنّها المكان الّذي يتّجه إليه لاستخراج رخصة بناء أو تحسين مسكنه، كما أنّها الجهة المسؤولة عن نظافة المكان الّذي يعيش فيه فهي المكلّفة برفع فضلات منزله وبتنظيف كامل المحيط من شوارع وأنهج وبطاح… بل إنّ هذه البلديّة تبقى تتابع المواطن بخدماتها حتّى نهايته لتكون المسؤولة على تهيئة المقابر حيث المثوى الأخير.
   والبلديّة كهيئة محلّية تخضع لنوع من التّسيير المزدوج- إن صحّ التعبير- ، تسيير إداريّ يؤمّنه رصيد بشريّ من الموظّفين الإداريّين والتقنيّين القارّين يسهر على مختلف المصالح والأقسام ويمثّل خطّ التّواصل المباشر بين المواطن وهذا الجهاز الخدمي، وتسيير "سياسي" أو توجيهي يتمثّل في الإشراف وضبط التّوجّهات واتّخاذ القرارات الهامّة وهو من مهامّ المجلس البلدي يتقدّمه رئيس البلديّة وهي كما نعلم هيئة منتخبة دوريّا ويخضع انتخابها إلى نفس ميزان القوى الموجّه لبقيّة الانتخابات من رئاسيّة وتشريعيّة، كما أنّ حضور أحزاب المعارضة فيها كان دائما على قاعدة نفس النّسبة .
  أمّا تمويل هذه الهيئات البلديّة فهو في جزء منه عموميّ وفي جزء هامّ منه يتأتّى من الجباية المحلّية أي من الضّرائب والمعاليم الجبائيّة والمداخيل المستخلصة مقابل الخدمات الّتي تسديها للمواطن في مختلف الأبواب الرّاجعة لها بالنّظر والمسؤوليّة ، وهي مداخيل تختلف أهمّيتها عادة باختلاف عدد سكّان المنطقة البلديّة وأهمّية الحركة الاقتصاديّة وتنوّع الأنشطة فيها.
    إلاّ أنّ الملاحظ في هذا الإطار هو الحالة العامّة من التّشكّي والتّذمّر من رداءة العديد من الخدمات في أغلب البلديّات أو لنقل عدم ارتقاء هذه الخدمات إلى مستوى آمال وانتظارات السّكّان، بل إنّ البعض يذهب إلى المقارنة بين حجم الخدمات وجودتها وبين حجم الجباية المدفوعة فينتهي الاستنتاج إلى اختلال كبير في التّوازن على حساب المواطن.
  ولئن كانت بعض الخدمات الإداريّة محلّ رضا عامّ مثل خدمة استخراج مضامين الولادة الّتي استفادت من تطوّر المنظومات الإعلامية فإنّ خدمات أخرى عديدة بقيت محلّ تذمّر عائد في الغالب إلى النّقص الكبير في الإطار البشري بسبب النّقص في الانتدابات. وهذا ينتج عنه كثرة الطّوابير وطولها في البلديّات حيث أنّه يمكن لأيّ مواطن أن يقضي ساعتين أو أكثر من أجل تعريف بالإمضاء أو نسخة مطابقة للأصل… أمّا إذا تعلّق الأمر باستخراج رخصة بناء -مثلا- بما يتطلّبه ذلك من معاينات ومتابعات فحدّث ولا حرج!!
  أمّا النّقص الآخر البارز للعيان في أغلب البلديّات فهو النّقص في تجهيزات العمل وخاصّة المعدّة منها للنّظافة من أدوات عمل وشاحنات وجرّافات وغيرها حيث أصبح من العادي تراكم الفضلات أمام المنازل ليومين أو أكثر بكلّ ما يعنيه ذلك من تفشّي للرّوائح الكريهة ورداءة في المشهد ويبقى التّبرير المكرّر من البلديّة هو نقص التّجهيزات والأعوان … كما أنّ تشكّيات المواطنين في هذا الصّدد تمرّ كصدى في وادي أحيانا لعجز حقيقيّ في هذه البلديّات، لكن في غالب الأحيان لعدم اكتراث … فحتّى الحافز السّياسي النّاتج عن التّنافس الانتخابي محسوم سلفا في نظر القائمين على هذه البلديّات.
  إنّنا إذ نكتفي بتعديد القليل فقط من النّقائص القائمة في العمل البلدي وهي البارزة للعيان والقابلة للإدراك بالعين المجرّدة فإنّ ذلك نابع من الوعي بأنّ المهمّ ليس لعن الظّلام إذ الأهمّ منه أن نضيء الشّمعة ونصنع النّور بلفت الانتباه إلى ضرورة أن يأخذ العمل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مسيرة آل عياد رواد الحركتين الاصلاحية والوطنية بقصرهلال والوطن بقلم الاستاذ المرحوم الحبيب ابراهم

كتبها mourad regaya ، في 5 يونيو 2009 الساعة: 19:50 م

الــــــتزام
هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا
وأدّعيها وإن صاحوا وإن جلبوا
أقولها غير هياب وإن حنقوا
وإن أهانوا وإن سبّوا وإن ثلبوا

جميل صدقي الزهاوي

***
من تعلّق بالزائل زال ومن تعلق بالدائم دام

الحبيب ابراهم

 

لــماذا؟

كتبنا عن قصر هلال ولم تكن غايتنا تمجيدا لها. وكتبنا عن محمد بوزويتة والحاج علي صوّة ولم تكن غايتنا تخليدا لهما. فالماجد لا يمجد والخالد لا يطلب له الخلود. كتبنا عن قصر هلال لتذكير أبنائها بجذورهم. وكتبنا عن الرجلين نقلا لرسالتهما إلى الأحفاد. اللهم اشهد أننا بلغنا !
ونحن إذ نكتب اليوم عن آل عياد بقصر هلال فنحن في الحقيقة نكتب منهم ولا نكتب عنهم. هم الذين فعلوا فكتبنا، هم الذين أعطوا فأخذنا. وكذلك كان شأن بوزويتة والحاج علي صوة. لقد أخذنا منهم الكثير ولم نعطهم من عندنا شيئا. إنما هي " بضاعتهم ردّت إليهم".
بقي السؤال: لماذا كتبنا عن آل عياد؟ ولماذا عن آل عياد دون سواهم؟ سؤالان يفرضان نفسهما لأننا ندرك أننا سوف نكون محل اتهام أحببنا أم كرهنا!
***
نبدأ بحمد الله أننا لا ننتمي إلى تلك الأسرة انتماءا دمويا- كدنا نقول داميا- لا من قريب ولا من بعيد. فأسرة ابراهم تنتمي إلى "جماعة المرابطين" اوائل القرن التاسع عشر وأسرة عياد تنتمي إلى " جماعة الدحامنة"
ثم إننا كتبنا عن مسيرة آل عياد ولا عن آل عياد والفرق واضح. لماذا؟ وما علاقتها بي وبك وبنا؟
***
يتوقف المرء أثناء سيره امام مشهد يثيره أو بنيان يروقه أو شيء يدهشه أو يخيفه أو كائن يستفزّه، وتسأله: لماذا توقفت؟ فيردّ : أنظر ما أعلاه! انظر ما أبشعه! انظر ما أجمله! إلى غير ذلك من دواعي التوقف.
ولقد درسنا كل الأشجار العائلية بقصر هلال-جملة وتفصيلا- بداية من القرن الثامن عشر إلى أواسط القرن العشرين وتوقفنا عند شجرة "عياد". لماذا؟
***
لاحظنا أثناء تسكعنا بغابة الأشجار الهلالية أن بعضها يستوقفك لترسم على جبينها " حياكة" وترسم على جبين جارتها " فلاحة". تود لو تكتب تحت إحداها "عدول" أو " مشائخ" أو "وطنية" أو " تجارة". وترسم تحت بعضها "تناقضات". وقل ان تجد فيها شجرة تكتب تحتها " لاشيء"!
وقد يطبع شخص واحد بطابعه شجرته العائلية بكاملها. كذلك فعل محمد بوزويتة وكذلك فعل الحاج علي صوّة وكذلك فعل احمد بورخيص وكذلك فعل محمد ابراهم وغيرهم كثيرون. فإذا قلت: بوزويتة قيل محمد وإلا قلت: صوّة قيل: الحاج علي وإذا قلت: بورخيص قيل: احمد وإذا قلت ابراهم قيل: محمد.
وإذا قلت: عياد تلجلج اللسان!
لماذا إذن؟
***
لو انتزعنا من الغابة الهلالية شجرة بوزويتة وجذعها محمد لبقيت مكانها هوة يصعب ردمها
ولو انتزعنا من الغابة الهلالية شجرة صوّة لبقيت مكانها هوة يصعب ملؤها.
ولو انتزعنا من الغابة الهلالية شجرة عياد لبقيت مكانها هوّة لا يسدّها شيء. لأن انتزاعها يجرّ وراءه أشجارا كثيرة!
لهذا توقفنا عند شجرة عياد وتفرّعاتها أي عن مسيرتها وسوف نرى ما تختص به تلك المسيرة وسوف نسعى إلى نقل ما اقتنعنا به غير عابئين "بالقيل والقال" ووو…

جزيرة جربة وقصر هلال
كنا تحدثنا في غير هذا المكان عن احداث خطيرة عاشتها جزيرة جربة ودفعت بسكانها إلى الهجرة القسرية ( ) ورجحنا أن يكون حدوثها على دفعتين. فكانت الأولى حوالي سنة 1750 والثانية أواخر القرن الثامن عشر.
ربطنا الهجرة الأولى بانشقاق الأسرة الحسينية الحاكمة إلى باشية وحسينية سنة 1740 وتصدّع البلاد بكاملها. ولاحظنا أن جربة كانت ذات اتجاه حسيني شأنها شأن قصر هلال والمنستير. وهو موقف جر لأهلها الكثير من المتاعب قبل أن تعود الشرعية إلى الأسرة المالكة. ولا ننس ما حصل لقصر هلال التي هجرها أهلها حتى خلت من السكان سنة 1737 ووجدوا لهم بالمنستير ملاذا( )
***
شجرة آل عياد جدّها عياد بن الحاج مبارك بطيخ. وهو رجل كان ينتمي إلى" جماعة الدحامنة" كما جاء في دفاتر الأرشيف الوطني أوائل القرن التاسع عشر، وهي تسمية تدعو إلى التأمل. فهو اسم غير مألوف نقله دفتر القبائل سنة 1900 باللغة الفرنسية Rhamna لسوء قراءة المترجم لحرف الدال ( )
o هذا الاسم مشتق من دحمان وهو اسم يسند للذكر كما يسند للأنثى اسم دحمانة وصيغ منه الجمع على غرار: زراد- زراردة، جربوع-جرابعة، بوغزالة-بغازلة، بوزويتة-بزاوتة… وهو اسم تكاد تختص به جزيرة جربة. وقد تصفحنا قائمة سكان الجزيرة لسنة 1855 وعددهم 4652 فوجدناه اسما ولقبا بقرى قلالة وأجيم والماي وآركو ( ) كما كانت بجهة بني معقل منطقة الدحامنة ( )
o وأسرة جمور التي تحمل عقودها القديمة صفة " الشريف الهلالي" أسرة لا نشك في أصلها الجربي. أما صفة " الشريف الهلالي" فهي تشير إلى هجرة قديمة أتاحت للأسرة أن تسجل نهائيا ضمن الدفاتر الجبائية بقصر هلال. لا أكثر ولا أقل. وقد انتمت تلك الأسرة إلى مشيخة الدحامنة عند تأسيسها أوائل القرن التاسع عشر وتقمصت صفة" الشريف الهلالي " تاركة بجزيرة جربة الولي" سيدي جمور"
o وكذلك فعلت أسرة بوستة، فقد عاش بالجزيرة الشيخ الاديب أحمد بن محمد بن أبي ستة الذي توفي سنة 1651 وإبن اخيه الشيخ محمد بن عمر بن محمد بن أبي ستة ( ) وقد انضمت أسرة بوستة هي الأخرى إلى مشيخة الدحامنة وتحمل عقودها القديمة صفة " الشريف الهلالي".
o وجدنا لقب بطيخ بقرية تاوريت ضمن قائمة سكان جربة لسنة 1855 ( )
o كما وجدنا أشخاصا يحملون اسم عياد بقلالة واجيم وبني ديس وصدغيان
o وحين حذفت مشيخة الجرابة بالمكنين وقصر هلال في جوان 1889 انضمت أسرتا بنبلة والمكسي الجربيتان اللتان قدمتا إلى قصر هلال أوائل القرن التاسع عشر إلى جماعة الدحامنة.
o ولعله من المفيد أن نعلم أن ميدون واركو وبني معقل انتشر بها المذهب المالكي بدون منازع" وان تاوريت تقع في المرتبة الأخيرة من حيث انتشار الاباضية (3) وذلك من شأنه طبعا أن يسهل اندماج المهاجرين في الوسط الهلالي ذي المذهب المالكي.
o كل تلك القرائن تدعونا إلى الاعتقاد بأن غالبية جماعة الدحامنة أصيلة جزيرة جربة. وإذا تذكرنا أن النشاط الاقتصادي للمهاجرين من جربة يغلب عليه الجانبان الصناعي- أي الحياكة ( ) أو التجاري ولاحظنا- كما لاحظ
الكثيرون- تشابها في سلوكيات " الجرابة" و"الهلالية" أدركنا الدور الذي لا نشك في أن العنصر الجربي لعبه في تطوير المجتمع الهلالي ونقلته من مجتمع فلاحي منغلق إلى مجتمع صناعي وتجاري يجوب البلاد طولا وعرضا شأنه في ذلك شأن الجربي نفسه !
ثم يجب أن لا ننسى أن الجربي حسين بن خليفة المكسي كان شيخ الجرابة بالمكنين وقصر هلال قبل أن يصبح خليفة قصر هلال كلها سنة 1893. ألا يدل ذلك على منزلة اجتماعية مرموقة؟
وقد زالت مشيخة الجرابة اثر صدور أمر علي مؤرخ في جوان 1889 يقضي بضم الجرابة إلى العمل الذي استوطنوا به ( )
كل ذلك يدعونا إلى الاقتناع بان الحاج مبارك بطيخ كان جربيا قدم إلى قصر هلال خلال القرن الثامن عشر.

العائلات ( ) المنتمية إلى جماعة الدحامنة ( )
اللقب الأصلي اللقب الحالي اللقب الأصلي اللقب الحالي
1 ابن احمد(3) ابن احمد- الدغموري-الهدار 13 سعيدان سعيدان-الجمل-جمال الدين
2 ابن خديجة ابن خديجة 14 سويسي سويسي
3 ابن الشسيخ ابن الشيخ-فنتر-فنطر-شمشيق 15 الشايب الشايب
4 ابن الطرشة(4) جابر-عمار 16 الصانع(8) الصانع
5 ابن غزالة (5) بوغزالة-عوين 17 عبد الله عبد الله
6 بطيخ (6) بطيخ-عياد 18 غزيّل(9) منصور
7 بوغزالة بوغزالة-الأكحل-الاميم-الممي الوسطاني 19 القاتي(10) القاتي
8 جمور جمور 20 ماضي ماضي
9 حليلة (7) الزياتي 21 مغيث(11) مغيث
10 الخفّي الخفي-جعيدان-الغوالي 22 الهاني الهاني-حمزة-زغبيب-لولن
11 الدردوري الدردوري-الشليوي 23 الهيل(12) الأسود-شبروش
12 سعيد سعيد
ملاحظات:
ضبطنا القائمة أعلاه على ضوء وثائق الأرشيف الوطني التونسي:
1- أملاك الغابة بقصر هلال لسنة 1840 ( الدفتر 1652)
2- قائمة الذكور البالغين لسنة 1860 ( الدفتر 759)
3- قائمة الخطايا المسلطة على السكان إثر ثورة 1864 ( الدفتر 2445)
4- بعض المعلومات المتفرقة ( مشيخات-تجنيد…)
وقد مكنتنا تلك الوثائق والقائمات من اعادة تركيب الاشجار العائلية صعودا وتتبع تفرعها كما مكّنتنا من العودة إلى جذورها نزولا. مع العلم أن قائمات الأرشيف الوطني لا تمكّن من العودة إلى ما قبل القرن التاسع عشر.

فرع الحاج سالم من شجرة عياد

عبد الرحمان (13) سالم (14) مصطفى (15) علي(16) عبد العزيز(17)
حامد (10) أحمد (11) محمد(12)
عثمان (6) سالم(7) محمد (8) خليفة (9)
مبارك (3) امحمد (4) سالم (5)
امحمد (1) عياد (2)
علي الحاج مبارك
بطيخ

- امحمد بن علي بطيخ- موجود 1840 ( دحامنة)
2- عياد بن الحاج مبارك بطيخ- موجود 1840 ( دحامنة)
3- الحاج مبارك بن عياد بن الحاج مبارك موجود 1898 حج ثانية سنة 1874 (1)
4- امحمد بن عياد بن الحاج مبارك من قدماء العسكر، دفع 45 مطر زيت (1864)
5- الحاج سالم بن عياد بن الحاج مبارك بطيخ، جند سنة 1863، فر من الطبجية ( المدفعية) سنة 1874 هاجر إلى بنغازي بليبيا ( تجارة) له بها اربعة أولاد: علي، حسن، فرج، السنوسي) (2)
6-عثمان عياد توفى 1943 ( 80 عاما)
7- الحاج سالم بن امحمد عياد، اعفى من المجبى من 1876 إلى 1879، عدل من 31 اكتوبر 1882 توفى 1928 ( 75 عاما)
8 محمد بن امحمد عياد، جند 1864، موجود 1894 (عقد)
9- خليفة بن امحمد عياد، موجود 1897 (عقد)
10- حامد، ولد 1897 توفي 1961
11- احمد، ولد 1890، حياكة (1913) ثم تجارة، توفي 1949
12- محمد، عدل بقصر هلال من 6 سبتمبر 1911 توفي 1953 ( 70 عاما)
13-عبد الرحمان، ولد 1929
14-سالم، ولد 1933 توفي 1990
15-مصطفى، ولد 1921 توفي 1927
16-علي، ولد 1922 توفي 1977
17-عبد العزيز، ولد 1925 توفي 2000

 

 

الحركة الوطنية

الحركة الوطنية: عبارة تبدو خفيفة الظل يسيرة الفهم لكنها عند تفحصها مليئة بالفخاخ. ذلك أن المفاهيم تختلف باختلاف الاذهان. يرى بعضهم أنها تشمل كل حركة فردية أو جماعية تخدم الوطن. ويشترط آخر أن تكون جماعية ومنظمة. ويضيف آخر خطة وقيادة. ورغم انتفاء هذا الشرط فقد دعيت حركة 1864 ثورة رغم أن أساسها تمرد على الباي الذي ضاعف الأداء الشخصي (المجبى)
أما محتواها فيختلف بين كلمة تقال أو علم يرفع أو مظاهرة حاشدة أو قنبلة تصطنع أو كمين ينصب والحقيقة هي أنها كل ذلك.
وحسب هذه المفاهيم تتسع الحركة الوطنية أو تضيق.
ومن هنا جاء الاختلالف بين عبارات العصيان والانتفاضة والتمرد والثورة وقد جاء في كتيب نشره المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: "تمرّدت بعض القبائل بأقصى الجنوب التونسي أثناء الحرب العالمية الأولى "فاعتبرت تلك الحركة تمردا" ( )

الحركة الوطنية التونسية

إذا اتفق على أنها حركة مناهضة للاحتلال الفرنسي فقد اختلف فيما عدا ذلك. اختلف على بدايتها ونهايتها ومحتواها. رأى بعضهم أنها بدأت " بحركة الشباب التونسي" ورأى آخرون أنها بدأت بتأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 ورأى غيرهم أنها بدأت بتأسيس الحزب الدستوري الجديد يوم 2 مارس 1934. وقد يأتي من ينكر ذلك.
أما نهايتها فقد جعلها بعضهم حصول البلاد على استقلالها يوم 20 مارس 1956 وأضاف آخرون المعارك الفاصلة بين البورقيبية واليوسفية وأردف ثالث معارك الجلاء إلى يوم 15 أكتوبر 1963 وختم رابع بتأميم الأراضي يوم 12 ماي 1964 إذ " تكرست به السيادة على الأراضي" ( )
وأما عن المحتوى فقد سألت الهادي بن منصور قاسم( ): من هو علي بن اسماعيل بوعين ( ) بالنسبة إليك؟ فقال: خائن، ونعتته جريدة الوزير في آخر عدد لها يوم 8 ديسمبر 1955 بأنه شهيد. فهل هو خائن أم شهيد؟
لقد اقفل ملف شهداء الوطن بضحايا الجلاء سنة 1961 ( ) فبماذا ننعت جنديا تونسيا سقط اليوم؟
والطاهر بطيخ: ( ) رآه بعضهم مطيعا لتعليمات حزبية وخوّنه آخرون. زعم بعضهم أنه لقي مصرعه " نتيجة خيانته( ) ونرى أنه زعم باطل
وتأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1897 أو جمعية قدماء الصادقية سنة 1905 أليس عملا وطنيا؟ ( )
***
من الناس من عدّ أعوام الحياة انطلاقا من الولادة ومنهم من أضاف إليها ما يقضيه الجنين في بطن أمه وحتى قبل ذلك مستدلا بما يرثه المرء من أبويه وحتى من أجداده!
جاء في قاموس " لسان العرب": قوّم الشيء وقاومه حتى استقام أي اعتدل واستوى. وقوائم الدابة التي يكون بها اعتدال الدابة واستواؤها. والرجال قوامون على النساء أي قائمون بأمرهن حتى تستقيم شؤونهن وتعتدل.
وإذا قبل إن " الحركة الإصلاحية تتمثل في تقويم ما أعوجّ فكرا وسياسية" ( ) قلنا إن المقاومة هي العمل الهادف إلى ذلك التقويم. فهي إذن عمل اصلاحي يهدف أساسا إلى ارجاع الامور إلى الاستقامة. ويمكن أن ندرج ضمنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويمكن بالتالي أن نجعل من وسائلها النية والقول والفعل.
***
لقد أدرك قادة الحركة الوطنية التونسية عموما وعلى رأسهم عبد العزيز الثعالبي ضرورة المرور بالمرحلة الإصلاحية منذ حكمت عليه محكمة الدريبة بالعاصمة سنة 1904 بشهرين سجنا من أجل سبه لعبد القادر الجيلاني وطريقته القادرية ولاشك أن ما آلمه أكثر هو أن الناس كانوا يهتفون خارج المحكمة مطالبين بإعدامه. ولقد "عمّ البلاد جو من السكون والاستكانة" بعد فشل المقاومة المسلحة الأولى ( )
وأما بقصر هلال فقد كان دخول الجيش الفرنسي إلى القرية لأول مرة قادما من قابس وقضاؤه بها ليلة 12 جانفي 1882 فرصة لينكشف ما كان عليه الناس من اللاوعي. فقد تكفل مشائخ قصر هلال وعلى رأسهم الخليفة ومعهم الأهالي بجلب الحطب للجيش ودوابه بل ولم يحركوا ساكنا حين جمعت أسلحتهم وفرض على كل واحد منهم خطية لبرودة الاستقبال مع برودة الطقس! تصرفات كشفت سيطرة الطرق الصوفية أو المنتسبة إليها على العقول.
ثم جاءت صحوة النخبة. وجاء الصراع المرير بينها وبين قوى الجمود وجاءت مرحلة الإيقاظ والإصلاح. وهو إيقاظ استجاب له البعض وأزعج آخرين.
وقد أدرك قادة الحركة الوطنية بقصر هلال – بدورهم- وعلى رأسهم سالم عياد ثم محمد بوزويتة ضرورة التغلب على العدو الكامن في نفوس الهلاليين وكانت معركة ضارية بين رجال الإصلاح ورجال الزاويا امتدّت طوال العقد الثلاث من القرن العشرين.
وكانت لتلك المرحلة جولتان انتصر في الأولى رجال الطرق فأزيح الحاج سالم عياد من طريقهم سنة 1926 وانتصر رجال الإصلاح في الجولة الثانية.
***
الحركة الوطنية التونسية عموما والهلالية خصوصا مرّت- في نظرنا بمراحل أربع:
1- مرحلة اللاوعي
2- المرحلة الإصلاحية ( 1815-1920)
3- مرحلة المقاومة ( 1920-1952)
4- مرحلة المقاتلة ( 1952-1961)
وإذا بوّبنا الحركة على ما ذكرنا فهو تبويب نظري لا يعني الفصل ولا ينفي التداخل أحيانا كما لا ينفي حدوث انتفاضات في المرحلة الأولى (صفاقس- قابس…) ذلك أنه لا يمكن الفصل بين الإصلاح والمقاومة. وعموما فقد انتقلت الحركة الوطنية من النيّة المقاومة إلى اللسان المقاوم إلى الذراع المقاومة.
رمز الحاج سالم عياد إلى النية المقاومة ورمز ابنه احمد إلى اللسان المقاوم ورمز حفيده عبد العزيز إلى الذراع المقاومة.
وإذا كانت الحركة الوطنية شجرة فسالم عياد أحد جذورها وابنه احمد أحد جذوعها وحفيده عبد العزيز أحد أغصانها. أما النسغ فواحد سرى فيها جميعا، إنه دم واحد في ثلاثة أجساد.

الحاج سالم عياد والتاريخ

كتابان طرقا موضوع الحركة الوطنية بقصر هلال:
o كتاب: "قصر هلال ومعركة التحرير" الذي ألفه الدكتور احمد بكير محمود ونشره سنة 1975 ( الشركة التونسية للرسم)
o كتاب: " شروق وغروب" الذي ألفه ابراهيم عبد الله بلا تاريخ
( مؤسسة سعيدان بسوسة) والملاحظ أن الكاتبين من قصر هلال وإن جمعت بينهما أشياء وفرقت بينهما أخرى. ومما جمع بينهما أنهما أغفلا الحديث عن جذور ما تحدثا عنه، تصرفا وكأن الحركة الوطنية نبات من فصيلة الطحالب.
***
أما الأول -أي الدكتور محمود- فقد تعرّض إلى تأثر رجال الرعيل الأول بالدعوات الإصلاحية ثم بنشأة الحزب الحر الدستوري التونسي التي جعلها سنة 1917 (ص17) مرتكزا على التجارة التي كان يمارسها محمد بوزويتة أنذاك فجعل من الحركة الوطنية إحدى بضائعه المستوردة إلى قصر هلال. ولو كان الدكتور حاضرا لسألناه: هل محمد بوزويتة كان التاجر الهلالي الوحيد المتردّد على العاصمة؟ وهل أن التجار الهلاليين هم الوحيدون الذين كانوا يجوبون أسواق العاصمة؟ وهل أن نتائج تلك الاتصالات كانت واحدة لدى كافة المدن والقرى؟ وإن لم تكن كذلك فلماذا؟
نعم، نحن لا ننكر لما لتلك الاتصالات من أثر لكننا لا نعتبر ذلك التحليل كافيا.
وقد اضطر الدكتور إلى بعض التراجع عند حديثه عن انشقاق الحزب واجتماع يوم 3 جانفي 1934 بقصر هلال فكتب: كان شخص آخر له فعاليته كان قد اجتمع إلى الزعماء المنشقين وهو يعرفهم جيدا كما أنه ابن دستوري قديم له نصيب من الثقافة والمعرفة والذكاء. هو المرحوم احمد بن الحاج سالم عياد. يعرف بالشيخ عياد. تعلم بالزيتونة سنين ولم يتمّم دراسته بها. وكان صديقا للطاهر الحداد ومحمد علي الحامي وكان يكره زعماء اللجنة التنفيذية "(ص27)" "كان لا يقبل مسؤولية في شعبته ولكنه من كبار المناضلين" (ص30)
وكتب الدكتور عن مؤتمر 2 مارس 1934 بقصر هلال: "قرر الاستدعاء احمد ساسي الحجري واحمد عياد" (ص30)
كلام صحيح في أغلبه لكنه لا يشفي الغليل وهو يثير التساؤلات بأكثر مما يجيب عنها.
فهذا الأب " الدستوري القديم" ما حكايته؟
وهذه الكراهية لأعضاء اللجنة التنفيذية ما حقيقتها؟
***
وأما الكاتب الثاني- أي ابراهيم عبد الله- فهو رجل اعتبر حلوله بالساحة السياسية " شروقا" وغيابه عنها " غروبا". ولا عجب أن يعتبر الحديث عما جرى قبله أي الجذور ضربا من اللغو!
لم يكتف ابراهيم عبد الله بتجاهل الحاج سالم عياد ودوره الإصلاحي والعمل التجذيري الذي زرع به بذور الوعي الوطني بل ذهب إلى حد التوقف عندما اعتبره افراطا فكتب: " لا بد أن نذكر احقاقا للحق بعض المبالغات المرتكبة تحت ستار مقاومة البدع مثل مناهضة القدماء بوسائل عنيفة أحيانا بعض الجماعات من الاخوة حفاظ القرآن الكريم الذين كانوا يجهرون عن حسن نية بالذكر الحكيم وببعض الترنيمات الدينية البريئة في الجنائز وخلف توابيت الموتى قبل وصولها إلى مقابر المسلمين" (ص18).
ونسب مادعاه " بالمبالغة" إلى زيارة محمد عبده إلى تونس" في أوائل العشرينيات" ( هكذا) (ص18)
وهو كلام تنفيه الوثائق جملة وتفصيلا.
ذلك أن الأمر لا يتعلق بتلاوة آيات قرآنية من جهة ولا " بترنيمات دينية بريئة" ولم يكن الجهر بها عن " حسن نية" ولم يكن موقفه هذا " احقاقا للحق" حسب قوله: فالرجل كان يعتبر نفسه سليل امحمد بن عيسى وربما زرع فيه والده ذلك الاعتقاد بعد أن أوقف على الزاوية عددا من الزياتين حسب شهادة قائد المجموعة ابراهيم بن الحاج امحمد ( كوزانة) الذي استند إلى ذلك التحبيس ليصر على ممارسة طقوسه وتلاوة " دلائل الخيرات" بالجامع الكبير ( )
وقد وقع ابراهيم عبد الله رغم ثقافته النسبية في فخ الإعلام الشعبوي فاعتقد أنه سليل قبيلة بني هلال" تلك التي كانت أول القادمين إلى تونس" حسب قوله وأنه أصيل بلد عربي ( ) وأنه حفيد امحمد بن عيسى. وبالتالي فقد حق له أن يتدخل يوم 16 أفريل 1951 لدى الوزارة الكبرى لفائدة تعيين " قريبه" سالم الدوس مقدما على الزاوية عند وفاة سلفه ( ) وقد نقلت الوزارة الكبرى الطلب إلى عامل المنستير وانتهى الأمر بتحقيق رغبته فعيّن سالم الدوس نقيبا لزاوية ابن عيسى بقصر هلال يوم 18 نوفمبر 1951. ذلك كان الستار وهذا ما كان وراءه!
قال ابراهيم عبد الله متحدثا عن العشرينيات من القرن العشرين: " ظاهرة حب الوطن تنفرد بها قصر هلال" وهو زعم خطير فيه اقصاء وتبسيط. أما الاقصاء فيتمثل في التفرّد المزعوم الذي يستوجب مقارنات لا قبل له بها. وأما التبسيط فيتمثل في اعتبار حب الوطن اسقاطا علويا اقرب إلى الوحي منه إلى الوعي. وقد كان عليه أن يتساءل: من كان وراء ذلك الوعي؟ نعم لقد قال أن كتابه ليست بحثا اكاديميا ( ) ولم نكن نطلب منه مثل ذلك البحث. إنما كنا نطلب إعمال الرأي.
صحيح أن كتابه كان امتدادا لمسيرة خطابية ملتهبة. وقد كنا نرجو أن يبرّر فيه البعض من موافقة إزاء الحركة الوطنية بقصر هلال ورجالاتها. لكنه لم يفعل سوى أنه حاول طمس الجذور التي سبقت " شروقه" وربما كان لذلك أثر في "غروبه" ومن" غربل الناس نخلوه".
ولابد - لتدعيم كلامنا - من ذكر البعض مما لا حظناه من مظاهر الطمس:
1- ذكر ثمانية أسباب لانعقاد مؤتمر البعث بقصر هلال ولم يذكر من بينها الدور الذي لعبته "دار عياد" ولا دور صاحبها احمد عياد وهو الدور الذي اعترف به زعيم المنشقين أكثر من مرة.
2- ذكر الدارحين عرّج على زيارة احمد توفيق المدني- سنة 1922- حيث " عقد اجتماعا كبيرا في دار الحاج سالم عياد أي نفس الدار التي تأسست فيها أول شعبة دستورية-شعبة قصر هلال- والتي ستصبح بعد ذلك على ملك ابنه المرحوم احمد عياد مقرّا لمؤتمر البعث المنعقد في الثاني من مارس 1934" ( ) والحقيقة هي أن الاجتماع المشار إليه جرى في نوفمبر 1924 والاجتماع التأسيسي للشعبة جرى يوم 23 سبتمبر 1921. وقد حضر احمد توفيق المدني في كليهما.
3- جرى الاجتماعان والدار على ملك صاحبها الحاج سالم عياد. أما كان عليه أن يتوقف عند هذا الرجل؟ لماذا لم يقع الاجتماع بدار والده امحمد عبد الله مثلا؟ ثم لماذا انعقد المؤتمر بتلك الدار وهي على ملك أحمد عياد؟
كتب ابراهيم عبد الله:" استقر الرأي على عودة الزائرين ( الحبيب بورقيبة والطاهر صفر) في الليل وعقد اجتماع بدار المرحوم الشيخ احمد عياد التي تحمل اليوم اسم " دار المؤتمر" ( ). هكذا وبكل بساطة. فلماذا هذا القفز على الحقائق؟
صحيح أن الرجل لم يكن هدفه التاريخ بقدر ما كان هدفه " تصفية حساب" لكنه أضاع كليهما!

نشأة الحاج سالم عياد

نشأ سالم عياد في عائلة لسنا نملك عن ماضيها إلا شذرات متفرقة لكنها إذا جمعت أنتجت صورة بها ملامح مضيئة.
1- ولد سنة 1852 وهو تاريخ حددناه اعتمادا على السن التي وقع التصريح بها عند وفاته سنة 1928 أي 76 عاما. وهو تاريخ معقول إذا علمنا انه أعفي من الاداء ( المجبى) من سنة 1876 إلى سنة 1879 بسبب الدراسة وأنه عيّن عدلا يوم 31 أكتوبر 1882 ( ).
2- سمّي باسم عمّه الذي كان قد جنّد سنة 1863 ( ) قبل أن يفرّ من الطبجية ( المدفعية) سنة 1871 ( ) ويلجأ إلى القطر الليبي حيث راح يمارس التجارة وأنجب من الأبناء أربعة: علي وحسن وفرج والسنوسي. ولعل الاسم الأخير يدل على أن الرجل اندمج في مجتمعه الليبي. وقد تواصل البحث والملاحقة طيلة سنوات 1874 ( ) و1877 ( ) و1880 ( ) ولا شك أن صاحبنا قد عاش ذلك الفرار وتلك الأبحاث إذ كان قد تجاوز العقدين من العمر.
3- عاش النكبة التي حلّت بالمنطقة عموما وبقصر هلال خصوصا حين حلّ الجنرال احمد زروق ليقمع ثورة 1864 ويسلط انتقامه الرهيب الذي أتى على الأخضر واليابس. فرأى والده وهو يدفع غرامة مقدارها 45 مطرا من الزيت ( ) والمطر Metritis وحدة لكيل الزيت تقدّر بخمسة وعشرين لترا تقريبا. وقد وقع ذلك التغريم رغم أن والده المغرّم كان هو الآخر من قدماء العسكر.
فالواضح أن الجندي الهارب كان قد رأى مكاسب أخيه الجندي القديم وهي تسلب!
4- عاش الليلة الليلاء التي وطأت فيها جيوش الاحتلال الفرنسي أرض قصر هلال يوم السبت 12 جانفي 1882 بقيادة الجنرال لوجرو Logerot لتقضي الليل قبالة " سبالة العتراوي" بين قصر هلال وبوحجر. لقد كان جيشا جرّارا يتركب من 5505 من الجنود و185 من الضباط و533 من البغال
و 1612 من الابل و1058 من الخيول و188 من العربات ( ).
لا شك انه قد رأى ذلك الجيش قادما من المدخل الجنوبي للقرية. ثم رأى مشائخ القرية وهم يجمعون ما لدى السكان من السلاح وهي 76 قطعة ورأى السكان وهم يجمعون الحطب لتدفئة الجنود بأمر من مشائخ القرية وخليفتها. وقد كانت المكافأة غرامة سلطت على العساكر الهاربين ( ) رأى كل ذلك وعمره ثلاثون عاما ولما يمض على تعيينه عدلا بقصر هلال سوى عشرة أشهر.

مـسيرتــه

o بدأ حياته العامة عدلا بقصر هلال يوم 31 أكتوبر 1882 ( ) ولم يبلغنا عما سوى ذلك شيء حتى جاء يوم 25 سبتمبر 1909 وعيّن إماما ثانيا بالجامع الكبير بقصر هلال بعد وفاة حسن القصاب( ) ولم نعرف موقفه من إنشاء المدرسة الفرنكو عربية ذلك العام بينما راح زميله العدل علي ابراهم يرحبّ بالحدث عند زيارة المقيم العام Alapetite لقصر هلال يوم 9 أفريل 1909 وقد مكّننا ذلك الحدث وما تبعه من الأحداث من إدراك أن الرجل لم يكن يحب الظهور. وإن الوثيقة العدلية التي عيّن بموجبها إماما ثانيا بالجامع الكبير وهي مؤرخة في 14 سبتمبر 1909 تصفه بإمضاء واحد وأربعين من وجهاء البلد " بالفقيه النبيه الخير النزيه العابد الذاكر". والعجيب أن احد الممضين بتلك الوثيقة كان منصور بن علي الشملي والد الناصر الشملي الذي سوف يصبح العدو اللدود لسالم عياد. فسبحان مغيّر الأحوال! ( )
o ثم عيّن يوم أول مارس 1916 إماما أول بالجامع الكبير بقصر هلال بعد وفاة خليفة القصاب ( ) وخلفه في الإمامة الثانية علي ابراهم الذي لم تدم امامته طويلا إذ توفي في ديسمبر 1916.
o وقد بقيت خطة المدرس بالجامع شاغرة بعد وفاة خليفة القصاب فترشح لها كل من علي ابراهم والناصر الشملي وسالم عياد وأجريت على الثلاثي مناظرة يوم أول ماي 1916 كان فيها الفوز حليف الناصر الشملي ( ) وقد أعان ذلك الفوز صاحبه على النقلة عدلا من العاصمة إلى قصر هلال يوم 12 جانفي 1917 ( ).
o ومنذ عيّن الناصر الشملي إماما ثانيا بالجامع الكبير يوم 7 فيفري 1917 ( ) تلبدت الغيوم وبدأت المشاكل تسود الجامع الكبير ثم تتجاوز رحابه.
كان بالقرية آنذاك ستة رجال يحملون شهادة التطويع من التعليم الزيتوني، لكن الخلاف نشب بين اثنين: سالم عياد والناصر الشملي والحقيقة هي أن كل شيء فيهما كان يدعو إلى الخلاف.
فهنا سالم عياد رجل ملتزم لحدود مهنته مقتصر عليها إلى حدّ الانطواء لم يبلغنا عن أفعاله وأقواله الشخصية شيء. وهذا الناصر الشملي القادم من العاصمة لا يترك مناسبة تمرّ دون أن يسجل فيها حضوره. وهذا سالم عياد رجل كتوم لم نقرأ له سوى رسالتين دفع إلى تحريرهما دفعا بينما حرّر الناصر الشملي ما يزيد عن سبعة رسائل ( )
وهذا سالم عياد عاش مظلمة مزدوجة من الباي قبل الحماية وعاين الاحتلال الأجنبي والموقف السلبي للسكان فكره ما عاش وما رأى. وهذا الناصر الشملي أبوه منصور كان وما يزال من العناصر النشيطة بزاوية سيدي بنعيسى قبل أن يفسح له ابنه المجال ليمارس نشاطه الطرقي وتلاوة " دلائل الخيرات" بالجامع الكبير صحبة ثلاثة آخرين وعلى رأسهم ابراهيم كوزانة.
وجهان متنافران يمثل أحدهما عبد العزيز الثعالبي ويمثل الثاني محمد مناشو-وكلاهما- على غرار صاحبينا- متخرج بجامع الزيتونة!
وقد نجم عن اصطدام الرجلين صراع دام عشرة أعوام واستخدمت فيه اشد الأسلحة فتكا وكانت بفضله الصحوة والإصلاح "ورب ضارّة نافعة"!
***
ماذا كان موقف الرجلين من الأحداث الجارية؟ ماذا كان موقفهما من الحرب العالمية الدائرة رحاها والتي سقط خلالها بالجبهة الفرنسية أربعة عشر من أبناء قصر هلال؟
لقد عوقب الطاهر الزراد لمواقفه المساندة للسلطة العثمانية ( ) بنقله من الوزارة الكبرى إلى ثلاجة جمعية الاوقاف وعوقب المعلم محمد بلال-أصيل المهدية - بنقلة عقاب من المدرسة الفرنكو عربية بقصر هلال للسبب نفسه ( )
فماذا كان موقف الرجلين؟
ثم ماذا كان موقفهما حين راح الشيخ صالح حمودة- الذي سوف يصبح حليف الناصر الشملي لاحقا- يقود سكان القرية يومي 11 و 12 نوفمبر 1918 وفي مقدمتهم أتباع الزوايا تعبيرا عن ابتهاجهم لنهاية الحرب؟ ( ) لا ندري.
لكننا سوف نستشفّ تلك المواقف من خلال مراسلات الناصر الشملي من جهة ومواقف احمد بن سالم عياد من جهة أخرى.
وقد نجم عن اختلاف المزاجين واحتكاكهما حرارة بلغت حدّ الاشتعال! بدأ بمناوشات قلّ أن تخلو منها شراكة لكن سرعان ما تدخلت فيها أطراف أوسعت الخرق فاستعصى على الراتق!
وما يجب أن نعرفه هو أن دور الإمام الأول كان يتمثل في إمامة الصلوات الخمس. أما صلاة الجمعة بخطبتها فقد كانت تجري بالتداول مع الإمام الثاني. وقد كان تغيب أحد الإمامين يستوجب عذرا شرعيا ويفرض نيابة الشريك. وقد بدأت المناوشات حين رفض الناصر الشملي تلك النيابة بحجة أن عذر التغيب غير شرعي.
من هنا كان المنطلق
بدأ التذمر لدى قاضي المنستير إذ يتضح من رسالة الناصر الشملي المؤرخة في 15 جويلية 1921 أن الخلاف مع سالم عياد كان أقدم من ذلك. إذ تذمر المشتكي من تغيّب شريكه في الإمامة لممارسة أشغال فلاحية ( ) ومن الواضح أن التذمر كان وجيها لو صدر عن المصلين ولا عن إمام زميل! ومن الواضح أن الناصر الشملي كان يتصيد الذرائع للايقاع بزميله!
وقد ردّ سالم عياد على التهم نقطة نقطة يوم أول سبتمبر 1921 ( ) وتحدث قاضي المنستير يوم 26 نوفمبر 1921 عن الخلاف الناشب بين الرجلين بدون أن يجرؤ على الحسم ( )
وسرعان ما تحوّل الملف إلى الوزارة الكبرى والكتابة العامة للحكومة وحتى الاقامة العامة والباي نفسه!
استنجد سالم عياد بالشعبة الدستورية بقصر هلال واستنجد الناصر الشملي بالسلطة الحاكمة بمختلف مستوياتها.
o حتى إذا جاء يوم 23 سبتمبر 1921 فتح داره لينعقد فيها الاجتماع التأسيسي للشعبة الدستورية بقصر هلال الذي حضره أحمد توفيق المدني عضو اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري التونسي وصاحب جريدة "أفريقيا" وكان ميلاد أول شعبة دستورية خارج العاصمة ( ) وانتخب كاهية للكاتب العام ( ) ثم فتح سالم عياد داره ثانية في أحد أيام 16 و17 و18 نوفمبر 1924 لينعقد بها اجتماع لتجديد هيئة الشعبة بإشراف احمد توفيق المدني وراجح ابراهيم ( ) وقد تولى محمد بوزويتة رئاسة الهيئة الجديدة. وهو حدث إذا اعتبر منعرجا في تاريخ الحركة الوطنية بقصر هلال فإنه لم يغير من موقف سالم عياد رغم انسحابه من هيئة الشعبة لتقدمه في السن (72 عاما).
وإذا كان النزاع الناشب بينه وبين الناصر الشملي قد خمد نسبيا للسبب نفسه ولتفرّغ الثاني إلى مقارعة محمد بوزويتة الذي يهاجمه في عقر داره (الجامع الكبير) فقد قفز اسم سالم عياد إلى واجهة الأحداث مجدّدا حين كتب كاهية المكنين حمودة بن عمار يوم 28 سبتمبر 1926 بأن سالم عياد" متعصب مع أفراد ينتمون للحزب الدستوري"( ) كتب ذلك ولم يمض على تنصيبه كاهية سوى أربعة أشهر ( ) وقد حضر الناصر الشملي حفل التنصيب كما حضر في تنصيب سلفه الصادق بن حميدة يوم 16 جويلية 1924 لا باعتباره عدلا بل باعتباره إماما ( ).
o يوم 28 سبتمبر 1926 ذكر كاهية المكنين أن سالم عياد فتح داره سنة 1924 لوفود الدستوريين "فاجتمعوا فيها مع غالب أهالي البلد وألقوا خطبا دستورية" وطلب تنحية سالم عياد من الامامة الأولى لما لها من تأثير على الناس وساند المراقب المدني Fortier الاقتراح مساندة مطلقة ( )
فمن أين للكاهية أن يعلم بما حدث سنة 1924 وهو الذي لم يمض على تعيينه بالمكنين سوى أربعة أشهر؟ سؤال تفرض الإجابة عنه نفسها. والواضح من موقف المراقب المدني أنه لم يكن يعلم عن ذلك شيئا. لذلك تصرف كمن هبّ من نومه مذعورا. فقد كان الصادق بن حميدة أقل حماسا" من حمودة بن عمار وسوف نرى من هذا الموظف التونسي المزيد من هذا "الحماس"!
o وقد تلاحقت الاحداث إثر ذلك التقرير سراعا. فقد تحول الخلاف الشخصي- في الظاهر على الأقل- إلى معركة سياسية واضحة وهي معركة تحملت الوزارة الكبرى تبعاتها مادامت في حدود الخصمين والقاضي لكنها ضاقت بها ذرعا حين تدخلت سلطة الحماية. فتلقى الكاهية يوم أول ديسمبر 1926 إعلاما من الوزارة الكبرى بإعفاء سالم عياد من الإمامة الأولى بالجامع الكبير مع أمر بالبحث عن خليفة يقبله المصلون حسب العرف الجاري ( )
o اعفي سالم عياد من الامامة الأولى –إذن- يوم 29 نوفمبر 1926 لأنه " ارتكب ما ينافي شعار خطته"
o وحين توجه الكاهية إلى الجامع يوم 15 ديسمبر 1926 قصد فرض الناصر الشملي على المصلين وجد تجمعا مناهضا يقوده أحمد بن سالم عياد "أظهر من سوء الأدب والعجرفة والتشويش ما الله به عليم" حسب تعبير الكاهية الذي تذمر من حوالي المائتين" يزعمون أنهم منخرطين (هكذا) في الحزب الدستوري" وقد أذن بإلقاء القبض على خمسة منهم وحكم بسجنهم خمسة عشر يوما من أجل " التشويش بالطريق العام" وهم: محمد بن احمد القزوة -محمود بن عبد الله الكعلي-ساسي بن محمد الديماسي- عثمان بن الحاج محمد الديماسي بينما لجأ أحمد بن سالم عياد إلى الفرار ( ).
o واستبطأت الوزارة الكبرى ردّ الكاهية فعادت يوم 16 ديسمبر 1926 لتطلب إعلامها باسم الإمام الذي تم الاتفاق عليه ( ) فجاءتها يوم 23 ديسمبر 1926 رسالة من سالم عياد جاء فيها: " أتانا أمر تأخرنا من إمامة بلد قصر هلال بغتة من غير علم سبب"… وذلك نتيجة" وشاية من بعض المغرضين أعوذ بالله من شر الوسواس الخناس" وعبّر عن تعجبه من " السفارة كيف تقضي من غير تثبيت ولا صحة خبر ولا مراجعة"
هذه الرسالة الثانية والأخيرة لسالم عياد قصيرة لكنها تلفت النظر إلى أمرين:
1- سالم عياد لم يذكر اسم الناصر الشملي ولو مرة واحدة بينما ذكره خصمه مرارا.
2- استعمال كلمة "سفارة" – أي الإقامة العامة- يؤكد أن الرجل كان يدرك أن القرار كان صادرا عن سلطة الحماية وإن بدا ظاهريا أن مصدره الوزارة الكبرى وبالتالي فقد كان يدرك أنه قرار سياسي. وقد لفت نظرنا تعليق مخطوط جاء فيه: " يحفظ . القضيّة وقع البتّ فيها بأمر ملكي" Affaire réglée par ordre royal ( )
ثم جاء ردّ الكاهية يوم 26 ديسمبر 1926 بأن " الثقات وأعيان البلد اختاروا الناصر الشملي وانه لم يعترض عليه إلا ""النزر القليل من لفيف الناس ومن المشوشين المنخرطين بالحزب الدستوري" وأيده عامل المنستير والمراقب المدني ( ).
وردت الوزارة الكبرى يوم 5 جانفي 1927 على شكوى الكاهية ممّا لقيه بقصر هلال من " سوء الادب" بإبلاغه عن قدوم وفد من قصر هلال حامل لعريضة ترفض ترقية الناصر الشملي ومصر على أداء صلاة الجمعة بجامع المكنين. وقد جاء بتلك العريضة التي اطلعنا على نصها بأن ذلك الموقف الرافض للناصر الشملي سببه" ما شاهدنا من قلة التقوى وعدم اللياقة منذ زمن طويل"
وطلبت الوزارة مزيدا من البحث والإفادة مع عبارة " أكيد جدا" ثم جدّدت الطلب يوم 16 فيفري 1927.
وتدخلت الصحافة فكتبت جريدة الصواب يوم 21 جانفي 1927 أن تنحية سالم عياد " ذلك الرجل الذي عرف بحسن السلوك والاستقامة في دينه ودنياه"
" هفوة من الحكومة" وكتبت جريدة الوزير يوم 15 فيفري 1927 أن تنحية سالم عياد " الإمام العالم الفاضل" نتيجة حركة رجعية قام بها الامام الثاني بافتعال الحيل السياسية" ( )
o ولم يكن موقف الوزارة الكبرى-على علاته- خاليا من الحزم. فقد تلقّى كاهية المكنين منها يوم 28 مارس 1927 ردّا يتضمن رفضا لترقية الناصر الشملي. وكان ردّها صفعة أجاب عنها الكاهية يوم 31 ماي 1927 بلهجّة لا تخلو من المرارة بأن " أعيان وكبراء أهالي البلد عموما متفقون على الناصر الشملي" إلا بعض أنفار قلائل ممن لاخلاق لهم منتمين للحزب الدستوري تعرضوا في ذلك وأغروا بعض السذج والصبيان على التشويش والصياح" وان القاضي موافق على تعيين الناصر الشملي " ولم يبق إلا الترخيص من الجناب السامي" وأضاف أن " عدم تسمية الشيخ الناصر الشملي انتصار للمضادّين ولم يبق متعلقا بشخص الشيخ الناصر الشملي بل بشخصنا" ( ) وعلق المراقب المدني مساندا بأنه راسل الإقامة العامة في الموضوع أيام 8 نوفمبر 1926 و 12 مارس 1927 و2 جوان 1927.
o وقد حاول الأهالي تجاوز الأزمة فحرروا يوم 29 جوان 1927 عريضة للمطالبة بتعيين أحمد بن محمد الشرفي خلفا لسالم عياد. وهي عريضة وقع تجاهلها.( )
o وكثف الناصر الشملي مساعيه فكتب يومي 4 نوفمبر 1927 إلى المقيم العام لوسيان سان Lucien Saint مؤكدا " إني لست بدستوري"و6 نوفمبر 1927 إلى الوزير الأكبر طالبا الإنصاف من " جماعة الدستور" الذين لهم" اليد الطولى مع أصحاب الجرائد العربية" مذكرا بان الأسلوب الجاري في تعيين الامام يكون عن طريق الحكم السياسي" ومعترفا بأن " أفرادا على قدر عدد الأصابع أو أقل لا يصلون ورائي حيث أني لست بدستوري" مازجا هكذا بين الدين والسياسة.

o ولم يمض على المراسلة شهران حتى أقصى الكاهية حمودة بن عمار عن المنطقة ليحل محلّه يوم 5 جانفي 1928 محمد بن سليمان ( ) وهو رجل أكثر دهاء وأقل تهورا. وبذهابه ذهب السند الأقوى للناصر الشملي. لكنه لم ييأس من بلوغ غايته فكتب يوم 9 ماي 1928 مذكرا بموقف سالم عياد من التجنّس بالجنسيّة الفرنسية واعتراضه على دفن المتجنسين بمقبرة المسلمين ومناهضته للقراء بالجامع الكبير ذاكرا بأنه يجتمع بدكانه مع رجال الحزب الدستوري " يفتح لهم دكانه ويقرأ لهم جرائدهم" وأنه رفض عرضا من سالم عياد بأن " يكون معه يدا واحدة في الخطابة" ( )
o وتوفي الحاج سالم عياد بعد ذلك الكلام بستة وعشرين يوما أي يوم الثلاثاء 5 جوان 1928. وبتلك الوفاة انتهت حياة سالم عياد المنهزم وبدأت حياة سالم عياد المنتصر. فقد تحدثت جريدة " الصواب" يوم 6 جويلية 1928 تحت عنوان " مامات من لم يمت ذكره" عن جنازته التي صلّى بها أكثر من 400 رجل من الساحل بإمامة محمد بن حسين الورداني. وتحدثت جريدة " الوزير" تحت عنوان" فقيد الإصلاح" عن مقاومة سالم عياد " للبدع والضلالات" وتحدثت عن أعماله الخيرية وعن تأسيسه لمسجد ملاصق لداره توفي قبل إتمامه ثم أتمّه أبناؤه. (انظر الوثيقتين)
o وبعد وفاة الحاج سالم عياد لم يفارق شبحه المنطقة ومافتئ يقض مضجع المراقب المدني Fortier وحين طلبت الوزارة الكبرى يوم 20 جويلية 1928 من الكاهية الجديد ترشيح خلف سالم عياد أجاب يوم 21 أوت 1928 بأنه "استشار الأهالي والمصلين" وأنهم اتفقوا على انتخاب محمد بن سالم عياد خلفا لأبيه وأرفق اقتراحه بمذكرة كتب بها: " هو من أعيان قصر هلال. ثقة عفيف يصلح بهاته الوظيفة". لكن المراقب المدني لم يفارقه شبح سالم عياد فأبدى اعتراضه لأن المترشح" ابن رجل مواقفه معادية لفرنسا" فوقف سدّا منيعا في وجه كل من يحمل لقب "عياد" كاتبا حرفيا:" عائلة عياد وفيّة للدستور وهي تبعا لذلك لا تستحق أي عطف Sollicitude من الحكومة" وأضاف أن أحمد عياد" هو الذي كتب العريضة المرفوعة إلى الوزارة الكبرى من طرف الوفد وانه " لم يكف طيلة الحرب العالميّة عن الحركة المكوكية بين قصر هلال والجنوب" ( )
***
لقد كان خبر الاجتماع الذي انعقد بدار الحاج سالم عياد في نوفمبر 1924 لتجديد هيئة الشعبة الدستورية القطرة التي أفاضت الكأس فوقع توبيخ شيخ المنطقة الجوفية ( الشمالية) حسين بن امحمد بوزويتة لكتمانه الخبر وابدال كاهية المكنين بآخر أكثر حزما (وحمقا) ونزع قضية الخلاف بين سالم عياد والناصر الشملي من بين يدي قاضي المنستير الذي نفض منها يديه وتركيز النهضة على نقطة واحدة: سالم عياد رجل دستوري ( ).
والحقيقة هي أن الكاهية حمودة بن عمار ومن ورائه المراقب المدني Fortier جعل بتدخلاته الهوجاء من سالم عياد رمزا وطنيا بعد أن كان يغلب عليه الإصلاح الاجتماعي وحرم حليفه وحريفه الناصر الشملي من بلوغ غايته في تولي الامامة وتسبّب في تصلّب Radicalisation الحركة الدستورية بقصر هلال واشتداد عودها والتحام صفوفها. أما عامل المنستير حسن السقا والقاضي محمد مخلوف فقد كانا حسبما تشهد المراسلات والتعاليق مجرّد تابعين لا يعرفان سوى الموافقة.
وأما الوزارة الكبرى فهي وان ارتكبت " الهفوة" حسب تعبير جريدة "الصواب" بحكم الاتجاه السياسي الذي اتخذته القضية صمدت صمودا لافتا إزاء الضغوط التي سلطها الثلاثي عليها فأصرت على رفض تعيين الناصر الشملي خلفا لسالم عياد واستمر ذلك الرفض إلى استقلال البلاد وبقي المنصب شاغرا في المستوى الرسمي!
فإقصاء سالم عياد أضرّ بالناصر الشملي أكثر مما أضرّ بسالم عياد. فقد توفّي هذا الاخير يوم 5 جوان 1928 بعد إقصائه بعام ونصف وهي مدّة لو التزم فيها الناصر الشملي الصبر لنال بعدها مطمحه. لقد استعجل القدر وفي العجلة الندامة!
كان قد عاب يوم 7 ماي 1928 على سالم عياد وقوفه إلى جانب الدستوريين وادعاءه "خدمة الوطن" وكتب: وقفت عند خطتي الدينية" فهل كانت رسالته إلى المقيم العام يوم 4 نوفمبر 1928 وقوفا عند خطته الدينية؟ وهل كان حضوره تنصيب الكواهي بعنوان الإمامة وقوفا على الحياد حسب تعبيره؟ ثم أليس" حب الوطن من الإيمان"؟
لقد فضّل التشبّث بأذيال السلطة الحاكمة تشبّث الغريق بحبل النجاة حتى أننا عثرنا على نص خطاب قدّمه يوم 27 نوفمبر 1939 إلى الكاتب العام للحكومة Carteron عند زيارته لقصر هلال مرحبا باسمه الخاص و"باسم سكان قصر هلال كبارا وصغارا متعلمين وجاهلين ورجالا ونساء " ناعتا" الدولة الفرنساوية الحامية العظيمة" بأنها أم الديمقراطيات وينبوع التمدن والعدالة والانصاف والتي نفديها بكل عزيز ونفيس". وكان الامضاء باسم:" الناصر الشملي-إمام بقصر هلال". وقد ترجم الخطاب إلى الفرنسية حرفيا لأهميته الظرفية ( بداية الحزب العالمية الثانية) والسياسية. فمن سمح له بان ينطق باسم قصر هلال؟
وعلى كل حال فقد جاءت مظاهرات جويلية 1940 التي اعتقل فيها أكثر من مائة هلالي – بعد بضعة أشهر- لتمثل أحسن ردّ.
***
وبعد،
فماهي حصيلة العمل الذي قام به الحاج سالم عياد؟
سؤال نفضل الإجابة عنه بسؤال آخر: ماهي حصلية العمل الذي قام به محمد عبده وغيره من مصلحي العقول؟
تحدثت الصحف عن التقى والنزاهة والتعبّد ونوهت بمقاومة " البدع والضلالات" وأشادت بتوصيته بأن تشيع جنازته بلا نواح ولا عويل ولا تلاوة للقرآن بالشوارع فأصلح حيّا وميتا. وقد اقتدى به الكثيرون بعد ذلك. فقد كانت للرجل منزلة في نفوس الناس جعلت محمد بن الحاج محمد فنينة الكعلي يوصي عند وفاته يوم 31 أوت 1927 بأن يؤم جنازته سالم عياد دون سواه ( ).
قلنا في غير هذا المكان ( ) إنه كان " الزارع المباشر لبذور الإصلاح بقصر هلال على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي".
لقد اعتبرناه الممّر المباشر الذي سلكته الأفكار الإصلاحية بأصنافها. فالصحافة قد تكفل بتمكين الناس منها إذ شهد خصمه بأنه كان يقرأ للناس الصحف. ولا شك أن ما كان يلقيه على المصلين من الخطب أيام الجمعة هو الذي دعا السلطة إلى إقصائه عن الامامة الأولى بالجامع الكبير وهو الجامع الوحيد الذي كانت تؤدّى به صلاة الجمعة بقصر هلال.
***
لقد عين سالم عياد إماما ثانيا بالجامع الكبير يوم 26 سبتمبر 1909 ثم إماما أول يوم 1 مارس 1916 وأفسح له المنبر. فهل نرى عجبا أن يستقيل الحاج علي صوة من الاشراف على زاويتي سيدي عبد السلام بقصر هلال يوم 15 ديسمبر 1919؟ ثم ألا نرى أن جلّ أعضاء الشعبة الدستورية بقصر هلال انسحبوا عند تجديد هيئتها سنة 1924 وانه فتح داره مجّددا لهيئة أكثر إقداما؟
ألم يكن بذلك دافعا أساسيا لتولّي محمد بوزويتة قيادة الحركة الدستورية؟ ألم يكن سالم عياد صحبة محمد بوزويتة في خندق إصلاحي واحد؟
لقد اطلعنا على تقارير عديدة ذكرفيها الرجلان معا. لذلك قلنا: إذا كان لنا أن نشبه قصر هلال بالجسم البشري قلنا إن محمد بوزويتة كان قلبها وكان الحاج سالم عياد عقلها وكان الحاج علي صوّة ذراعها ( ) وإذا نعته الدكتور أنس بن عبد العزيز عياد بالأب الروحي ( ) فالتاريخ يشهد بان تلك الأبوة تشمل كافة سكان قصر هلال ممن تخلّوا عن الجحود.
ألا يكفي الحاج سالم عياد أنه " أنجب" الحاج علي صوّة ومحمد بوزويتة؟
أما ابنه أحمد فنفضل أن نترك للقارئ فرصة التعرف عليه في الصفحات التالية.
***
أنجب الحاج سالم من زوجته الأولى خليفة بنت علي بوراس ثلاثة أبناء وانجب من زوجته الثانية زينوبة ابنة عمه المقيم ببنغازي بليبيا بنتين. أما أبناؤه فهم: محمد (1883-1953) واحمد (1890-1949) وحامد ( 1897-1961) وهي أسماء تحمل بصمات من أسندها وأدخلهم الكتاب حيث حفظوا القرآن ثم زاولوا التعليم الزيتوني حيث تحصل الابن الأول على شهادة التطويع سنة 1910 بينما انقطع الآخران في منتصف الطريق. ولعله من المفيد أن نذكر قائمة الطلبة الذين زاولو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سؤال الى رئاسة الجمهورية التونسية من عائلة المرحوم الشهيد الطاهر بطّيخ،أين ذهب وسام الصنف الرابع المسند للشهيد في غرة جوان1966

كتبها mourad regaya ، في 3 يونيو 2009 الساعة: 12:46 م

 

الطاهر بن محمد بن حسن بطّيخ

كبير شهداء قصرهلال،شهيد قصرهلال والوطن

التونسي المفترى عليه

*في ضرورة اعادة الاعتبار وانصاف المظلومين*

 

يتحدث الأستاذ الدكتور المرحوم أحمد بكير محمود في كتيّبه المختزل،المركّز،والذي يعتبرأدق وأصدق المراجع التاريخية المؤلفة حول قصرهلال،من التأسيس الى مرحلة الاستقلال عن المرحوم الشهيد الطاهر بن محمد بن حسن بطّيخ قائلا"عاش يتيما،قرأ في الكتّاب ثلاث سنوات،تعلّم القراءة والكتابة،وحفظ بعض احزاب قليلة من القرآن الكريم،ثم خرج ليتعلّم النسيج على عادة أهل البلد،وفعلا فقد كان نساجا ماهرا،أول صلته بالسياسة كان مع علي بن يونس الممّي،الذي كان طالبا بالزيتونة،وكان مولعا بقراءة الصحف والمجلّات،كما كان من الشبان الدستوريين بالجامع الاعظم،وكان اذا حلّ بقصرهلال،يجلس الى دكان الحي أين الطاهر بطّيخ،يقرأ له الصحف،ويقرؤه،واستمرّت هذه الصداقة ثلاث سنوات الى أن توفي رحمه الله.أما عن تاريخ ولادته فلم يعرف بدقة،ولكن وجود وثيقة ضمن دفتر العدل الشيخ أحمد بن محمد الزراد تتعلق بتفويض مجموعة من الحوكيين أو النساجين أصيلي وساكني قصرهلال للشهيد المرحوم ليتولى النيابة عنهم في الانخراط بالشركة التعاضدية للفنون والصنائع مؤرخة بيوم الخميس 12 حجة1349الموافق ل30 أفريل 1931 ذكر فيها بأن الوكيل المفوض كان يبلغ من السن27 سنة مما يرجح ولادته خلال سنة 1904ميلادية؟؟؟

كان الطاهر رحمه الله محجاجا،ذا منطق بديهي عجيب،اذ كان الحق في جانبه،فانه لا يغلب،واذا لم يكن على صواب اعترف،ولربما اعتذر عما سلف منه،اذا كان أخطأ عن حسن طوية،وكان يحب الناس والناس يحبونه،ولم يجعل لنفسه الأبهة التي كانت لغيره قبله وبعده،بل كان شعبيا متواضعا،وكان فقيرا،لا يملك سوى بيت أبيه،طاهر النفس واليد،لا عن غفلة ولكن عن أخلاق ودين،حسن الحديث،بعيدا عن حوشي الكلام وبذيئه،سهل الضحك والنكتة.فكان حماه سهل المنال،وصداقته في متناول الناس جميعا.

 

*بدايات حياته السياسية،دخل السجن في حوادث 9 أفريل 1938،ثم خرج ليدخله ثاني مرّة سنة1940،وكان رئيسا للشعبة سرّيا،فلم يلبث أن قبض عليه،وأودع السجن،وبقيت الشعبة بدون هيأة،الى أن عاد اليها سنة1942،وكان في سجنه يلاصق المرحوم الدكتور ثامر،ويتأثر بآرائه ويعجب بهدوئه واتزانه،كما كان يستمع لما يقرأه له من الكتب التي يستعيرها المساجين من مكتبة السجن فلما خرج أخذ ينظم عمله،وكانت تونس قد احتلت من طرف المحور،وصادف أن مأمور مركز الشرطةبالمكنين التي كانت قصرهلال تابعة لها اداريا،وكان من ألد خصوم الدستوريين،وهو فرنسي ذو عواطف وطنية كبيرة،واسمه ديلاريس،كان قد وقع له حادث مرور جرح فيه،فكان من الطاهر الا أن أخذ وفدا من الهلاليين وذهب ليعرب له عن آماله بالشفاء،ثم زاد أن قال له،ان محنتنا واحدة في احتلال البلاد من طرف المحور،وأن الدستور لا يعترف بالألمان والايطاليين على تراب تونس،لكن الحيلة قليلة،والظروف لا تسمح بمقاومتهم،وبعد أيام قليلة وقع اعتداء بعض الجنود الايطاليين على نساء في قرية قصيبة المديوني،فتصدى صاحب الدار الذي دخل اليه جنود الايطاليين لمنعهم،ولما كان يمنعهم الدخول،أطلقوا عليه النار،وعلى كل من كان بها فقتلوهم،وفي الصباح بلغ الخبر الى الشعبة،فأخذ الطاهر وفدا وذهب الى مركز القيادة الجهوية بسوسة،واحتج على هذا الصنيع المشين،فوعدت القيادة باجراء تحقيق في القضية،لكن شيئا لم يقع،واستدعي الطاهر من طرف القائد الألماني،الذي أعلمه أن الحرب لا أخلاق لها،فما كان من الطاهر الا أن أجابه بأن البلاد ليست في حرب مع أحد،ولا يجوز لقائد مثله أن يقر هذا العمل،وأن فتوة الجنود الألمان وسمعتهم،لا تسمح لهم باقرار مثل هذا الصنيع مع سكان عزل،فاستاء القائد الألماني من ردّه،وطلب منه أن لا يعود.فما كان من الطاهر الا أن أخذ الشبيبة الدستورية،وذهب لحضور جنازة الضحايا بالقصيبة،ولا تسأل عما وقع يومها من صياح وهتاف وسخرية بالعساكرالذين كانوا حاضرين،وجلهم من الايطاليين،ولولا أمر الطاهر بالهدوء والسكينة في خطبة طويلة لدخل الحاضرون في معركة دموية،وربما أدت الى قتل الكثيرين،لأن الجنود الايطاليين كانوا على أهبة الدخول الى المعركة برشاشاتهم،وقد قرأ أحدهم لهم بيتا من الشعر،ترجمت الى الفرنسية،ثم ترجمها ضابط الى الايطالية،وهي قول الشاعر،

أسد على وفى الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر

اتصل بالشعب بأمر من الحزب،يدعوهم الى تأييد الحلفاء،والابتعاد عن المحور،ولما دخل الحلفاء تونس،أقام مأدبة غداء على شرف القائد العسكري الانقليزي،جمع فيها سكان البلد،وعزفت الموسيقى النحاسية أناشيد وطنية،وأغاني ،وألقيت الخطب أمامه،ألقاها الطاهر يرحب بالقائد وبالحلفاء،ويتمنى لهم النصر،وكان يترجم الخطبة الصادق الشايب.قصد الطاهر من ذلك معاكسة الفرنسيين الذين كانوا يرون فيه عدوا لبقا،وفي الدستوريين ميلا كبيرا الى المحور،فأظهر لهم أنه ملكيا أكثر من الملك،واحتفل بقائد الحامية العسكرية للحلفاء،وأذن للأطفال والشبان باظهار الصداقة للحلفاء،كلما مرّت سيارة وسط البلد،وكانت العلامة علامة تشرشل للنصرأي برفع اليد واظهار السبابة والوسط،مع ضم الأصابع الأخرى،فتكون على شكل"ف"أي فكتوارأونصر،وصرنا على حافة الطريق نتفرج على سيارات الانقليز،ونرفع أصابعنا،ونظهر الترحاب،وفي الواقع كنا غيرذلك في عواطفنا.استاءت السلط الفرنسية من هذا الترحيب والتظاهر بالصداقة للحلفاء،وكان الطاهر قد أخذ وعدا من القائد الانقليزي أن مكروها لا يمسهم،فصار يحميه الانقليز والأمريكان على الرغم من سلط الاحتلال الفرنسي،التي كانت تفكرفي الانتقام من الوطنيين ذوي النزعة المحورية.

 

*الكمال السياسي للمرحوم الشهيد،أخذ نجم الطاهر يسطع في الساحل كلّه،وفي مركز الحزب في العاصمة،وعندما رجع الرئيس بورقيبة من منفاه في أوروبا،تعرّف على الطاهر،وأعجب بذكائه وحصافة رأيه،وكان يحب بورقيبة ويخلص له كل الاخلاص،ويدعوه الى قصرهلال حتى جاءها في صائفة1944 وأقام بها ثلاثة أسابيع بطلب منه،وكلاهما قد تعرف على الآخر في هذه المدة،وأعجب كل منهما بالآخر،وصار الرئيس الحبيب بورقيبة يستدعيه في غالب تنقلاته داخل البلاد.فنشطت حركة الحزب وكثرت الشعب،وصار الحزب الحر الدستوري التونسي دولة أخرى وسط الدولة،وأدخل تحويرات جديدة على نظام الشعب،وأصبحت جامعات دستورية لكل جهة،فانتخب الطاهر أول الأمر رئيسا للجامعة الدستورية للساحل الأوسط ومركز هذه الجامعة قصرهلال،ثم للساحل عامة ومركزها سوسة.فأصبح الطاهر بطيخ أبرز جندي في الحركة الوطنية،وهو محل ثقة القادة الزعماء،كما هو محل احترام وتقدير الدستوريين الذين يعرفونه،ويعرفون اخلاصه،وفي هذه الأثناء كان يتنقل في كل يوم،وكل ليلة في قرية أو مدينة يجتمع ويخطب ويشرف على الانتخابات،وينشر التوعية بين المواطنين،وأطفاله وزوجته يبيتون جياعا،لأنه لم يكن للرجل ثروة ولا دخل،ولم يكن من الذين يستغلون وطنيتهم واخلاصهم لصالحهم،وصار الحزب الدستوري سنة 1945و1946،من أقوى الأحزاب المعارضة لا في المغرب،ولكن في الشرق العربي والاسلامي قاطبة.وفي هذه الأثناء،وفيما رواه الطاهر نفسه برّد الله ثراه،أن أعضاء مكتب الحزب الحر الدستوري بالعاصمة،قد أبدوا للرئيس بورقيبة رغبتهم في التخلي عن الحزب ونشاطه.وكان صالح بن يوسف،قد أخذ الطمع منه مأخذه،وأصبح يشرئب الى الوزارة،سواء كان هذا المنصب يخدم الحركة أو لا يخدمها،المهم أن يصبح صاحب معالي،فأعلمهم الرئيس أنه مستمر في كفاحه،وان أرادوا أن يتخلوا عن المبدأ فهو باق الى النهاية.وفي هذه الأثناء قلد الطاهر بطيخ مسؤولية جامعة الساحل من بوفيشة الى الشابة.

 

*هجرة الزعيم الى المشرق وتداعياتها على مسيرة الشهيد المرحوم،على اثرها خرج الرئيس بورقيبة الى المشرق،فنظر صالح بن يوسف كيف يستميل بطّيخ،هذا الجندي المتفاني والبورقيبي المثالي،وفعلا كان مركز الحزب في تونس اذاك أي بعد خروج الرئيس فارغا،الا من المتحمسين للقضية من زعماء صغار،كالمرحوم علي البلهوان،وعلي الزليطني،وأحيانا عزوز الرباعي،وقليلا مانرى المرحوم المنجي سليم،أما صالح بن يوسف،فهو يغمز من بعيد في مكتبه،ويكره الحديث في السياسة ان زاره زبون.كان الطاهر بطّيخ يحاول استمالته،ويلح عليه في البقاء على نشاطه،ويطيل مجادلته،وكان صالح يلمس فيه الاخلاص،ويريد استمالته لغاية شخصية،لكنه لم يكن يعرفها بعد،ولا كيف يصل على أكتافه،وكان يتحمّل جدله ونقاشه الطويل ومنطقه الوطني،الى أن أقنعه بأنه باق في الحزب،لكن يجب أن تتطور الأحوال في هذه الدار،وذلك بدخول بعض الزعماء في الحكومة،حتى اذا ما قاموا بشكاية ضد فرنسا الى مجلس الأمن،أو هيئة الأمم المتحدة تكون الشكاية صادرة من أعلى مستوى في الأمة،أي أفراد الحكومة الذين هم في نفس الوقت زعماء الأمة.ولم يكن الطاهر مقتنعا بهذه النظرية،لكن بن يوسف ألح على رأيه،وأسكته ولم يقنعه؟؟؟

 

*فلاقة زرمدين أحسن ما يساوم به صالح بن يوسف، لما كان الطاهر بطيخ رئيسا للجامعة الدستورية،وكان يساعده أعضاء فيها هم،محمد القنوني نائبا له،عبد السلام ساسي أمين سر،محمود جمور أمينا للصندوق،أحمد قعليش مساعده،مع عضوية محمد الكعلي،ومحمد بوسلامة،ولم تكن تعجبه كافة أفراد التشكيلة،بل كان له أصدقاء وأعداء،فأصدقاؤه محمد الكعلي وعبد السلام خليفة رئيس الشبيبة،والباقون منهم من يحذر دهاءه ،لكنه يصادقه في الظاهر،مثل عبد السلام ساسي،ومنهم من يحسده على مقدرته مثل أحمد قعليش ومحمد القنوني.وكانوا منطوين على أنفسهم،لأن الرجل كان يعلمهم بمايعزم القيام به،لكنه لايقيم وزنا لآرائهم،عارضوه أم وافقوه،وحدث أن كان بقرية زرمدين،أربعة أشخاص يحترفون النهب والاعتداء،اعتداء على المال،وحريم مواطنيهم،وهم الأخوان صالح الوحيشي وأخوه فرج،ومحمد يونب وعبد الله بوصويفة،أما محمد يونب فكان عريفا في الجيش الفرنسي،اشتهر بمهارته في الرماية،وكان في طباعه جفاء وغلظة،يميل الى الاعتداء،وصالح الوحيشي،كان أيضا في الجيش الفرنسي،كعسكري بسيط،الا أنه غادر الثكنة سرّا،وبدا له أن يخرج من الطاعة،طاعة العدو المحتل،فالتحق بشعاب زرمدين،وأعلن عصيانه،وحمل أخاه على متابعته،وبوصويفة التحق بالثلاثة،لغرض في نفسه،حنقا على أحد وجهاء القرية،الذي حاول اختطاف حريمه منه،فخرج منتقما لنفسه.هذه بصورة مجملة حالة فلاقة زرمدين في أول أمرهم،سكن الجماعة الغابة،ولم يكن لهم مورد،فاحترفوا قطع الطريق على المسافرين أول الأمر،فأوقفوا قاطرة آتية من صفاقس في طريقها الى تونس،وسلبوا راكبيهاأموالهم،كما اعترضوا سيارة نقل ركاب عمومية،وأخذوا ما في جيوب أصحابها،ورجعوا الى شعاب زرمدين،أين يعسر القاء القبض عليهم لكثرة مافيها من غيران وأودية،وجرف وأنفاق وأشجار ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ادمان هياكل قصرهلال للانبتات وللتنكر للذات-الغرفة الاقتصادية لقصرهلال نموذجا

كتبها mourad regaya ، في 31 مايو 2009 الساعة: 13:45 م

 

ادمان هياكل فصرهلال للانبتات وللتنكر للذات

*الغرفة الفتية الاقتصادية بقصرهلال *نموذجا*

-فرع المكنين/الدورة الثانية لصالون الصناعات التقليدية.

-فرع قصرهلال/تظاهرة"تكويرة" في اطار التوأمة

مع الغرفة الفتية للشبان بالمدينة الجديدة.

 

لقد تألقت الغرفة الفتية الاقتصادية بالمكنين ومنذ السنة الفارطة بالتعاون مع فرع الاتحاد التونسي للمرأة التونسية في تنظيم تظاهرة تراثية سامية مميزة في كل مستوياتها من الفكرة الى التنظيم الى الانتظام في الانجاز ألا وهي تظاهرة"صالون الصناعات التقليدية"والتي ارتبطت في السنة الفارطة بالاحتفال بشهر التراث.وقد كانت اللافتة المعلنة عن التظاهرة مرفوعة بالمكنين في أكثر من موقع،وكذلك بقصرهلال في مواجهة قصرالبلدية،وكما يقال"رب صدفة خير من ألف ميعاد" فكأني بالذي اختار تثبيتها في هذا المكان بالذات أراد من دون أن يعلم أن يحرك في نفوس مسؤولي قصرهلال الغائبين عن الوعي والذين فقدوا نخوتهم وحرصهم على هوية مدينتهم وكرامة أحيائها وأمواتها على السواء بأن هناك لدى مسؤولي بعض الوحدات المجاورة وخاصة منها المكنين من نوازع الكرامة والشهامة والأصالة،وبخاصة التعلق بالهوية المحلية في زمن العولمة الجارفة ما يجعلهم تلقائيا يحرصون على أن يكونوا"الرجل المناسب في المكان المناسب"؟؟؟

وفي ذات الفترة التي بدأت أفكر فيها بكتابة هذه الأسطر أو الخواطر من وحي الحادثة والتي كتبت مثلها في السنة الفارطة لعلها تجد آذانا صاغية من الغرفويين القدامى والجدد ولكن دون جدوى لا حظت ومن باب الغيرة والمنافسة من قبل الغرفة الفتية الاقتصادية لقص

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تكريم الحبيب ابراهم-قائمة الانتاجات والاصدارات

كتبها mourad regaya ، في 28 مايو 2009 الساعة: 13:44 م

 

 
 
كنت أود أن يخرج هذا العمل –على تواضعه- إلى الوجود يوم 20 مارس 2006 بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال البلاد التونسية الذي لم يكتب لمحمد بوزويته أن يرى فجره.
وعلى كل حال فإن نية الانجاز نشأت بالمناسبة نفسها "وإنما الأعمال بالنيات". طرحت الفكرة على السيد كمال بن الهادي الشرفي الكاتب العام للتجمع الدستوري الديمقراطي بقصر هلال يوم الأحد 5 مارس 2006 فقبلها بدون تردد وأضاف: افعل 
وها أنا أفعل
فإليه أهدي هذا العمل ومن خلاله إلى روح رجل لولاه ما أشرق هلال قصر هلال ولولاه لكان للتاريخ منعرج آخر.
ومن الجحود أن يفوتني التنويه بما ساهم به صابر البنبلي في مستوى البحث والاتصال والتصوير.
الحبيب ابراهم
 


جاء في قاموس "لسان العرب" لابن منظور أن الرائد هو الطالب ومن هذا المعنى جاءت الإرادة. وقد قصدنا هذا المعنى لأننا رأينا في مسيرة محمد بوزويته إرادة ما انفكت تطلب النهضة.
***
وجاء في القاموس الألفبائي التونسي أن الرائد هو الرسول الذي يرسله القوم ليختار لهم مكانا ينزلون فيه. وقد قصدنا هذا المعنى إذ رأينا في محمد بوزويته رسولا حدد لقصر هلال وأهلها حقلا من قطوفه العلم والحرية.
***
وجاء في المنجد الأبجدي أن رائد الضحى هو وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء. وقد قصدنا هذا المعنى إذ رأينا في محمد بوزويته رائد الضحى في قصر هلال بعد أن كانت تعيش في ظل الزوايا.
***
وجاء في القاموس المحيط أن رائد الرحى هو يدها وأن رائد البكرة هو محورها وقد رأينا في محمد بوزويته اليد التي حركت قصر هلال في اتجاه النهضة وأنه جعل بكرة الحياة فيها تدور. لذلك كله جعلنا لكتابنا هذا العنوان : محمد بوزويته رائد النهضة بقصر هلال


 
حالما أمسكت بالقلم لأشرع في الكتابة عن محمد بوزويته اعترضتني العقبة الكأداء الأولى: كيف أكتب؟
وهو سؤال لا يعترض من رام الحديث عن شاعر أو مؤرخ أو سياسي لأن الشخص المدروس يصطبغ إنتاجه بصبغة واحدة. كذلك الحديث عن لوحة ذات لون واحد. وكيف الحديث عن لوحة تعددت ألوانها وتشابكت خطوطها وتداخلت لمساتها حتى أصبح التعرض إلى بعضها تعسفا على بعضها الآخر ؟ 
كيف يمكن الحديث عن رجل تناولت تدخلاته كل مجالات الحياة أو أغلبها. ثم كيف يمكن تبويب تلك المجالات إذا كانت بطبيعتها متداخلة كالإصلاح الاجتماعي والنشاط السياسي مثلا ؟
فكرت في انتهاج طريقة التسلسل الزمني – الكرونولوجي حسب تعبير بعضهم – فوجدتني أتحدث عن "الديك طورا وعن الحمار طورا آخر" ثم قررت أن أمزج بين التبويب من جهة والترتيب الزمني من جهة ثانية ولو أدى ذلك إلى تذكير قد يرى فيه القارئ ضربا من التكرار.
**
محمد بوزويته نعتته جريدة "الإرادة" بأنه أب الحركة الوطنية بقصر هلال وقالت ذلك لأنها لم تكن تعرف دوره في مقاومة البدع ومكافحة الممارسات التي يفرضها رجال الطرق الصوفية على الناس في أفراحهم وأتراحهم ولا دوره في نشر التعليم أو حتى في العمل النقابي.
وكيف يمكن التعليق على لوحة ضمت كل هذه الألوان ؟
ولقد وجدنا الإجابة بتقارير السلطة الفرنسية وأعوانها: فهي قد تذمرت منها جميعا. لقد توحدت لديها كل الألوان فأصبح محمد بوزويته رمزا لها جميعا. تحسرت حين تأسست المدرسة القرآنية وساندت رجال الزوايا الذين استظلوا بظلها وتباكت على هوان أعوانها ثم صبت عليه جام غضبها حين راح يمس الأداءات ويطالب بالسيادة بشكل كان يشبه العصيان المدني. لذلك كله دعوت محمد بوزويته برائد النهضة بقصر هلال وسوف يرى القارئ أنه قد تجاوز حدودها.
 


 
هو محمد بن عمر بن محمد بن الحاج أحمد بن علي بن حسن بوزويته ينتمي إلى شجرة آل بوزويته وهي إحدى أكبر الأشجار العائلية بقصر هلال وقد سميت باسمها إحدى المشيخات الأربع التي أحدثت بقصر هلال في القرن الثامن عشر باسم "مشيخة الزويتات" وبقيت تحمل ذلك الاسم حتى سنة 1900 حين أصبح تقسيم المشيخات تقسيما جغرافيا .. وقد تفرعت عن تلك الشجرة الأم عائلات : قرن وحسن والشنباح وزهرة.
كان جده محمد بن الحاج أحمد بوزويته ضابطا بجيش الباي (يوزباشي) وقد وقع تغريمه بمائة مطر من الزيت (حوالي 250 ديقة) سنة 1864 عقب ثورة علي بن غذاهم من طرف أحمد زروق.
لا نعرف عن أبيه –عمر- شيئا، فقد أنشئت دفاتر الحالة المدنية سنة 1909 بقانون صادر في 28 ديسمبر 1908 ولم نعثر فيها على أثر لوفاة عمر بوزويته الأب أو أمه خليفة بنت محمد برغل (بطيخ). فقد توفيا قبل ذلك التاريخ. وقد يفسر ذلك عدم دخوله المدرسة رغم أنه ينتمي إلى أسرة جل ذكورها متعلمون. فقد أضطر إلى خوض معترك الحياة مبكرا.
ويمثل تاريخ ولادته – هو الآخر- إشكالا، فالتاريخ المعتمد إلى حد اليوم هو 1884 استنادا إلى تصريح ابنه عمر عند تسجيل وفاته بدفتر الحالة المدنية سنة 1944 إذ صرح بأن عمره 60 عاما. وقد لاحظنا أن ذلك يختلف عما صرح به محمد بوزويته نفسه في مناسبتين أولاهما يوم 22 فيفري 1933 حين صرح بأن عمره 53 عاما وثانيتهما يوم 29 أفريل 1937 حين قال أمام عدلين بأن عمره 57 عاما وهما تصريحان يثبتان أن سنة الولادة كانت 1880 وهو التاريخ الذي نرجحه رغم أن وثيقة أخرى مؤرخة في 17 نوفمبر 1935 تفيد بأن عمره آنذاك 57 عاما.
لم يكتب لمحمد بوزويته أن يدخل المدرسة خاصة وأن أول مدرسة أنشئت بقصر هلال فتحت أبوابها سنة 1909 أي بعد أن بلغ من العمر 29 عاما. ولم يدخل حتى إحدى الكتاتيب. لكن هذه الحقيقة لها أهمية خاصة إذ هي تلقي على سعيه لاحقا لتأسيس المدرسة القرآنية ضوءا لم نكن نراه لو كان متعلما. فالرجل كان متشوقا إلى التعلم كما سنرى بل أنه راح يتعلم القراءة والكتابة بطريقة عصامية. وهذا ما لا يعرفه عنه الكثيرون. وإذا كنا اكتشفنا تحريره من خلال رسالة حررها سنة 1935 سوف نقرأ نصها لاحقا فقد اطلعنا كذلك على خطه من خلال وثيقة سوف نطلع عليها القارئ الكريم.
متى تعلم القراءة والكتابة ؟
لا ندري، فالرجل كان كتوما .. لكننا نعرف أنه كان -حسب التقارير الأمنية- يجتمع بمعلمي المدرسة القرآنية منذ افتتاحها سنة 1929. فهو إذن تعلم القراءة والكتابة بين سنتي 1929 و 1934.
لكن مراسلات الشعبة التي كان يرأسها والتي كانت تستوجب مقدرة أكبر كان يحررها أحمد بن محمد ساسي الذي لم يكن عضوا بهيئتها والذي كان يعمل تاجرا في المواد الغذائية ثم متوظفا بشركة السكك الحديدية. وقد أعطى لنفسه مرة صفة "مقرر الشعبة" واستمر في القيام بتلك المهمة إلى يوم 20 أوت 1933 حين وقعت رسالته إلى محي الدين القليبي بيد السلطة. ويبدو أنه تلقى تهديدا توقف بعده عن تلك المهمة.
 
لقد شهدت قصر هلال في نهاية القرن التاسع عشر تحولا كاملا في النشاط الاقتصادي لسكانها إذ كان لثورة علي بن غذاهم سنة 1864 التي ساهمت فيها مساهمة كبيرة وما تبعها من اضطهاد أتى على الأخضر واليابس -وقد رأينا ما حل بجد محمد بوزويته – دور في تحويل نشاطها من الفلاحة إلى الحياكة اعتمادا على مواد محلية أول الأمر ثم المواد المستوردة بعد ذلك كانت الحياكة حرفة تكميلية تمارسها النسوة بالمنازل فتحولت إلى حرفة أساسية تمارسها الأسرة بكافة أفرادها.
حدث ذلك في غضون أربعين عاما
وبدأ الحديث عن قصر هلال باعتبارها مركزا هاما للحياكة سنة 1905 [1] حتى إذا جاءت سنة 1909 تحدثت التقارير عنها باعتبارها مركزا "هاما جدا" مما دعا إلى تعليم النسج بالمدرسة الفرنكوعربية سنة 1911.
ولاشك أن لذلك التحول أهمية بالغة : فحياة الفلاح مغايرة تماما لحياة "الحوكي". ذلك يعيش بين الأرض والسماء علاقته بهما حيوية في الرخاء والشدة وهذا يعيش بين الناس.
***
قيل أن الدارس الذي يغفل أن أنكلترا جزيرة لا سبيل إلى أن يفهم كيف يفكر الأنكليز. وقيل إن دارس القطر المصري يجب أن لا ينسى نهر النيل وكذلك نقول إن من تحدث عن قصر هلال يجب أن يضع الحياكة نصب عينيه. ونقول الحياكة ولا النسج أي الصناعة التقليدية. منها كانت بداية قصر هلال في العصر الحديث وبانقراضها اليوم تتعرض ملامح قصر هلال إلى الانقراض.
فقد سيطرت الحياكة على حياة الهلاليين سيطرة مطلقة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى عاش منها وعاش بها وعاش لها تسعة أعشار السكان صبغت اقتصادهم ونشاطهم واهتمامهم وحتى لغتهم حتى نعت بعضهم قصر هلال بأنها "بلاد الخبابل" (الخبالة : كبة مشوشة من الخيط).
ومن خصائص الحياكة أنها حرفة مركبة تركيبا عضويا يجعل من عناصرها وحدة لا سبيل إلى تجزئتها بل أن انفصالها يجر موت كل عناصرها :
§                    يشتري الحائك الخيوط المغزولة ومواد الصباغة من البائع الذي يجلبها من العاصمة بوسائله الخاصة.
§                    يقوم الصباغ أو الزوجة بصبغها
§                    تقوم النسوة بتنشيتها بالمنازل
§                    يكون "التقنيط" و"التدوير" أي اللف على القصب (قنانط وجعاب) من طرف النسوة بالمنازل أو الصبية المترشحين للمهنة (صانع تدوير)
§                    تحال كمية السدى (القيام) على المختص بالتسدية (سداي)
§                    تحال المطواة المعمرة على المناولة لتثبيت المشط (الشفرة) والنير
§                    تنصب المطواة الجاهزة في موضعها من طرف صاحب المحل أو معاونه
§                    يقوم الحائك بعمله
§                    يكون البيع يوميا في أغلب الأحيان بسوق البلدة أو يتلقاه وسطاء يبيعون المنسوجات بالعاصمة أو الدخلة (الوطن القبلي) أو الجنوب أو حتى بالجزائر وليبيا.
§                    فالخلالة الواحدة (أو التخليلة أو الملية) تمر من ثمانية إلى عشرة أشخاص. إنها سلسلة متماسكة إذا فسدت إحدى حلقاتها فسدت كلها واختل توازن القرية بأكملها:
§                    فحين اضطرب التزويد بالخيط أو ارتفع ثمنه أثناء الحربين وبعدهما اهتزت البلاد بأسرها
§                    وحين طرد تسعة من الباعة الهلاليين من الجنوب بسبب نشاطهم السياسي ثارت القرية بأكملها
§                    وحين رفع أمين المعاش في معلوم الأداء بسوق الخلالة كتبت العرائض حتى أقيل من مهامه.
فإذا قال أحمد بكير محمود إن قصر هلال رضعت من ضرعين: الحياكة والسياسة قلنا إن السياسة – بقصر هلال على الأقل- بنت الحياكة. لذلك "تسيست" أكثر من جيرانها الذين لهم شواغل مهنية أخرى كالفلاحة والملاحة وإذا انتقلت "العدوى السياسية" إلى القرى المجاورة فبحكم اشتغال بعض سكانها بالحياكة دائما.
وقد لاحظ تقرير أمني مؤرخ في 13 سبتمبر 1949 أن "الشعب الدستورية الجديدة يقع انتدابها من بين أوساط النساجين بقصر هلال وبوحجر"[2] وإذا كتب أحمد بكير محمود متحدثا عن قيادة محمد بوزويته للحركة الوطنية بقصر هلال: "صار الجميع هيكلا واحدا يعمل بمجموعه" وكأن بيد الرجل عصا سحرية يسوق بها قطيعا[3] فقد كان من الأنسب الحديث عن طبيعة المجتمع الهلالي الذي كان في حياته اليومية هيكلا واحدا. وكان يكفي أن يقع التحكم في أحد أطرافه لكي يتم التحكم في الهيكل كله. لذلك قيل إن صناعة الحياكة صناعة مسيّسة.
 


 
الحاج سالم عياد
هو سالم بن أحمد بن عياد بن الحاج مبارك بطيخ. ولد بقصر هلال سنة 1852 وتولى خطة عدل بقصر هلال في 31 أكتوبر 1882 [4] ثم الإمامة الأولى بالجامع الكبير يوم أول مارس 1916 [5] بعد وفاة سلفه خليفة بن حسن القصاب يوم 6 ديسمبر 1915.
وكان له من الأبناء: محمد واحمد وحامد
ولعل أسماء الذرية تشير إلى تجذر الأب في تربية إسلامية خالصة.
***
هو الزارع الأول لبذور الإصلاح على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي في التربة الهلالية.
أما عن المستوى الديني والاجتماعي فقد نشرت جريدة "الوزير" إثر وفاته يوم 5 جوان 1928 مقالا مؤرخا في 9 أوت 1928 تحت عنوان "فقيد الإصلاح" جاء فيه : قليل من علماء الخلف من يسير على منوال السلف متبعا الكتاب والسنة وشروح الأئمة. ومن النادرين فضيلة العالم النحرير والقدوة الشهير الحاج سالم عياد عمدة قصر هلال في مراجعة أصول الدين وفروعه وتطبيق القواعد على صحتها مع مقاومة البدع والضلالات الملصقة بالدين والمنسوبة إليه اعتباطا بل افتراء. فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا تغره في الحق لومة لائم … أوصى الفقيد بأن لا ترفع عليه نائحة صوتا ولا تلطم عليه نادبة خدا وأن تسير جنازته طبق الكتاب والسنة بلا أصوات مرتفعة ولا قراءة قرآن في الطرقات فتمم أنجاله وصيته برا بوالدهم المرحوم"[6].
ويوم 6 جويلية 1928 كتبت جريدة "الصواب" مقالا احتل نصف صفحة من صفحاتها تحت عنوان "ما مات من لم يمت ذكره" مضيفة إلى ما سبق عظمة الجنازة التي أقيمت للفقيد إذ صلى عليه أكثر من أربعمائة رجل من سائر جهات الساحل أمهم محمد بن حسين الورداني ونشرت عن مآثره ما لم نر مثيلا له بتلك الصحيفة أو بغيرها.
وإن هذين المقالين – وحدهما- كافيان لإبراز الدور الإصلاحي الذي لعبه الحاج سالم عياد في الساحة الهلالية وخارجها.
وأما في المستوى السياسي فقد فتح الرجل داره لينعقد فيها أول اجتماع سياسي بقصر هلال تأسست خلاله شعبتها الدستورية يوم 23 سبتمبر 1921 وشغل بتلك الهيئة الأولى خطة مساعد للكاتب العام[7]. كما فتح دكانه – حسب شهادة خصومه- ليطالع فيه الراغبون ما يرد عليه من الصحف والمجلات وقد جاء بإحدى الوشايات أنه يفتح (للدستوريين) دكانه ويقرأ لهم جرائدهم"[8] ولا شك أن خطبة أيام الجمعة بالجامع الكبير كانت من جنس ذلك التصرف.
وقد وقع استغلال كل ذلك من طرف خصومه – وعلى رأسهم الإمام الثاني (إمام الصلوات الخمس) الناصر الشملي لينتهي الأمر بعزله من الإمامة الأولى يوم 29 نوفمبر 1926. وحتى ابنه العدل محمد رفض ترشحه لخلافة أبيه لأنه "ابن لرجل مواقفه معادية لفرنسا"[9].
كتب كاهية المكنين يوم 28 سبتمبر 1926 – أي قبل شهرين من العزل أن سالم عياد" متعصب مع أفراد ينتمون للحزب الدستوري"[10] وقد كان محمد بوزويته آنذاك رئيسا للشعبة الدستورية بقصر هلال. فالرجل كما نرى قام في نطاق خطتية –العدالة والإمامة- بنشاط توعوي هام. وحتى داره فإنها بقيت دارا دستورية إذا ما لبثت حتى آوت اجتماع يوم 3 جانفي 1934 ومؤتمر 2 مارس 1934 على يد ابنه أحمد.
***
وقد عايش محمد بوزويته ماحيك لسالم عياد من دسائس وما تعرض له من العزل وشهد الموجة الرجعية التي تمثلت في إطلاق يد الزاوية العيساوية في شتى مجالات الحياة حتى احتل رجالها رحاب الجامع الكبير بعد قيام مشجعهم الأكبر الناصر الشملي بالإمامة الأولى منذ سنة 1925 عند مرض سالم عياد وبعد ذلك بدون تعيين رسمي – إذ بقي الجامع بلا إمام أول حتى الاستقلال ! … وبذلك تحكمت الزاوية في أفراح الناس واتراحهم.
عايش محمد بوزويته كل ذلك وهو رئيس لشعبة المكان وشهد الإطاحة بسالم عياد فدخل المعركة مدركا جيد الإدراك ما كان ينتظره من المصاعب والعقبات. لكنه كان يدرك أيضا أن المعركة الإصلاحية لا محيد عنها لمن رام بناء جبهة داخلية لها من المتانة ما يمكنها من مواجهة غيرها من المعارك. فقد كان الرجل يرمي إلى بناء ما سوف يدعوه سنة 1934 "بالجيش"[11].
بدأ من حيث كان يجب أن يبدأ : بدأ بإصلاح النفوس والعقول. أيقن أن لا سبيل إلى أن يطلب الحرية فضلا عن أن يضحي في سبيلها من كان داخله مغلولا. وقد رأى في رواد الزوايا طاقات مهدورة. فراح يقومها ثم يقاومها. بدأ بزاوية سيدي عبد السلام فأقنع شيخها الحاج على صوة بالتخلي عنها والتوجه صوب ما ينفع الناس فاستقال من مشيختها سنة 1919 بعد أن قضى بها ثمانية أعوام. وبقيت زاوية سيدي بنعيسى وهي زاوية ذات ماض عتيد ويسيرها رجال اعترف بهم مؤسس الدولة الحسينية نفسه !
وقد استفحل أمر الزاوية حين أفسح زوال عقبة الحاج سالم عياد المجال لممارسة النشاط الطرقي داخل الجامع الكبير نفسه.
وكانت جماعة العيساوية تحسب أنها قد كسبت باقتحامها رحاب الجامع بمباركة من الإمام الناصر الشملي الحصانة وتحسب أنها في مأمن من رجال الإصلاح حتى كان يوم الجمعة 31 جويلية 1925 حين دخل محمد بوزويته الجامع صحبة ثلة من شبان الشعبة قبل صلاة الجمعة واتباع العيساوية يرددون أناشيدهم فتوجه إلى المصلين قائلا: "أتعجبكم وغوغة دلائل الخيرات؟"[12] ورد رجال الزاوية الفعل أمام الخطر الداهم بتحرير عريضة يوم أول أوت 1925 – أي غداة الواقعة – يحتجون فيها على بوزويته و"حزبه الدستوري"[13].
وحرر الطرف المقابل عريضة يوم 2 أوت 1925 للتنديد بممارسة "جماعة دلائل الخيرات" لنشاطها بالجامع وتشييعها للجنائز[14].
ولم تكن للعريضتين نتيجة تذكر. فكتب عبد الله بن محمد البهلول – وهو عضو بالشعبة الدستورية يوم 18 ديسمبر 1925 يبلغ عن تمرد الناصر الشملي على توصيات الوزير الأكبر بخفض الصوت عند القراءة يوم الجمعة[15].
***
دخل بوزويته المعركة بأسلحة غير متكافئة. فخصومه يملكون المقر ويملكون منبر الجامع وتقف وراءهم السلطة الحاكمة في كل مستوياتها ثم إنهم يملكون في رصيدهم انتصارا.
هل كان ينوي مواجهة جماعة الزاوية منذ البداية أم جرفته الأحداث؟
لا ندري فقد عثرنا على عريضة مؤرخة في 23 جانفي 1924 تطالب بإعادة مركز الخلافة إلى قصر هلال وهو المركز الذي حذف منذ سنة 1897 حين ارتأت السلطة ضم قصر هلال إلى مركز المكنين نظرا إلى قصر المسافة بين القريتين. وقد كان من بين الممضين كل من محمد بوزويته والناصر الشملي وفرج الإميم والصادق الديماسي ومحمد العامري الكعلي وعثمان الشملي وهي وجوه متنافرة أشد التنافر[16].
وسرعان ما تغيرت العلاقات :
فقد توجه أصبع الاتهام إلى الناصر الشملي حين وقعت الوشاية بمحمد بوزويته الذي فوجئ وهو يعقد اجتماعا يضم حوالي ثلاثين شخصا بمنزله يوم 18 ديسمبر 1924. فمن الواضح أن الأمر يتعلق بوشاية موصوفة حيث أن الاجتماع كان بمنزل وفي فصل الشتاء وفي العاشرة ليلا وحيث أن رجال الجندرمة قدموا من المكنين. لكن لماذا نسبت تلك الوشاية إلى الناصر الشملي دون سواه ؟
لقد قال الناصر الشملي – أكثر من مرة- أن العداوة نشبت منذ رفض الانضمام إلى الحركة الدستورية وردد قوله قصد تأليب السلطة بدون شك لكن قد تكون هي الحقيقة. فالرجل لم يشارك في أي حركة قد يشتم منها رائحة نقد أو معارضة أو حتى امتعاض. أما مطالبته – صحبة الآخرين – بإرجاع مركز الخلافة فقد تكون من باب الطموح الشخصي الذي كان عظيما. ألم يطح بسالم عياد من أجل الحصول على الإمامة الأولى ؟
تلك الوشاية كانت – في رأينا – منطلق المعركة التي دارت رحاها على مدى تسعة أعوام لكنها لا تفسر الأسباب السابقة.
لقد كان الناصر الشملي يعتبر محمد بوزويته – عن حق – نصير الحاج سالم عياد ثم وريثه في الاتجاه الإصلاحي لكنه أخطأ إذ حسب أن معطيات المعركة قد بقيت على حالها. فلم يحسب للشعب – وللشباب منه خاصة – حسابا.
كان سالم عياد فردا، أما بوزويته فقد كان أخطبوطا. وسرعان ما شددت أصابع بوزويته الخناق على الناصر الشملي فراح يشكو أمره إلى الكاهية الذي نصحه بأن يرفع أمره إلى العدالة. ففعل موجها إلى بوزويته تهمة "التشويش على الإمام". لكن المحكمة قضت يوم 4 فيفري 1926 بعدم سماع الدعوى[17] وقد دافع عن بوزويته راجح ابراهيم. مع العلم أن المدعي العام طالب بتسليط 6 أشهر سجنا[18].
وذاق الناصر الشملي طعم الهزيمة لأول مرة وذاقها معه كاهية المكنين الذي تبنى قضية الناصر الشملي بصفة شخصية فجاء إلى قصر هلال في أواخر نوفمبر 1926 ودخل الجامع وأعلم المصلين بتوقيف الحاج سالم عياد وأمرهم بانتخاب الناصر الشملي بدلا عنه. وكان رد الفعل عكسيا فامتنعوا. وعند الخروج من الصلاة قاموا بمظاهرة احتجاج على ذلك التدخل وكتبوا عريضة إلى الوزير الأكبر فدعا المراقب المدني بسوسة محمد بوزويته في أوائل ديسمبر 1926 وهدده معتبرا إياه مسؤولا عما جرى[19] وقد علقت جريدة "الوزير" بأن سكان قصر هلال أصبحوا يؤدون صلاة الجمعة بالمكنين.
لقد كانت السلطة الحاكمة منحازة إلى الناصر الشملي كامل الانحياز وساندته بكل قواها وكان يرد لها الجميل بالدعاء للكاهية عقب الصلوات[20] والمواظبة النشيطة على حضور كل المناسبات الرسمية وعند تنصيب كل من يقع تعيينه في المستوى المحلي والجهوي باعتباره "إمام الجامع الكبير".
أصدرت الوزارة الكبرى أمرا بانتخاب إمام أول لكن الأمر لم يقع تنفيذه. "ثم كتبت عريضة تحمل 150 إمضاء تطالب بتعيين أحمد بن محمد الشرفي إماما أول ولم تنفذ هي الأخرى[21] وأكدت "لسان الشعب" ما كتبته "الوزير" من أن المصلين بقصر هلال يؤدون صلاة الجمعة بالمكنين رافضين الصلاة وراء الناصر الشملي[22] حتى وصفته "لسان الشعب" بأنه إمام بالدبوس"[23].
****
كان الناصر الشملي هو الذي اختار السلاح السياسي وهو السلاح الذي جرب نجاعته مع سالم عياد، لكنه كان سلاحا ذا حدين إذ كان السلاح الذي أطاح به هو شخصيا. فمحمد بوزويته ليس سالم عياد وإذا كانا يؤمنان بهدف واحد فإن الوسائل التي استخدمها الرجلان كانت شديدة الاختلاف. سالم عياد رجل علم ودين ومحمد بوزويته رجل أمي ونساج. للأول مبادئ وقيم لا يرضى أن يتجاوزها أو ينزل دونها والثاني رجل عركته الشدائد. ثم إن الأول يعمل بمفرده بينما الثاني عرف كيف يحيط نفسه بجماعة كانت رأس حربة ومن أفرادها البارزين الطاهر بن حمدة بوغزالة وعلي بن محمود الشملي قبل أن ينضم إليهما آخرون.
وما لبث حتى أصبح الناصر الشملي في موضع سالم عياد بل أشد سوءا !
كان يحسب الجامع حصنا منيعا يقول فيه ما يشاء ويتصرف كما يحلو له حتى دخله بوزويته وقال فيه ما قال.
وقد كانت تلك العملية منطلقا جديدا لمعركة تجاوزت حدود قصر هلال لتأخذ أبعادا جهوية ووطنية على الصعيد الإداري والقضائي والصحفي.
ثم كان للفشل القضائي أثر بالغ على الناصر الشملي إذ ازداد به تعنتا والتحاما بالسلطة الحامية فإذا راح الناصر الشملي يوم 9 ماي 1928 يبلغ عن مناهضة بوزويته لقانون التجنيس[24] وأنه وجماعته "مهيجون ويعملون ضد فرنسا ولهم أعمال سرية خطرة"[25] راح بوزويته ورفاقه يهتفون بالجامع وخارجه مرددين عبارات "وشاية" و "جواسيس" و"خونة".
ولقد جاءت استقالة محمد بن علي بوراس من مشيخة زاوية سيدي بنعيسى بسبب تقدمه في السن وثقل أعباء الزاوية حسب قوله[26] يوم 2 فيفري 1929 لتعلن عن بداية النهاية للزاوية وطقوسها.
وتحول النزاع إلى مواجهة سياسية في وضح النهار حتى إذا عاد الناصر الشملي إلى التذمر من "التشويش" يوم 24 سبتمبر 1933 وسانده كاهية المكنين تجاوزت الردود صاحب الشكوى لتشمل أقاربه حتى لجأ أخوه عبد الرزاق وصهره محمد الشارف إلى طلب الحماية من اعتداءات الدستوريين أو السماح لهما بالانخراط في الحزب[27].
***
ولم يقتصر عمل بوزويته على تطهير الجامع من الممارسات الطرقية بل تعداه إلى سلوكيات الناس أثناء مراسم الدفن حيث كان رجال الزاوية يرافقون النعوش "بأصوات تكاد تبلغ عنان السماء" كما عبرت عن ذلك جريدة "النديم" يوم 17 أكتوبر 1925 وقد كان لقائد المجموعة ومقدم الزاوية ابراهيم بن محمد كوزانة صوت جهوري نال به لقب "بوق قصر هلال"[28] وقد نجح بوزويته في محو تلك البدعة نجاحا باهرا.
فقد توفي الحاج قارة بن محمد هلال يوم 11 ديسمبر 1925 عن سن 75 عاما موصيا بأن تشيع جنازته "طبق ما جاء في الشريعة وتم له ذلك"[29]
وتوفى محمد بن الحاج محمد فنينة الكعلي يوم 31 أوت 1927 عن سن 75 عاما موصيا بأن يؤم صلاة جنازته الحاج سالم عياد وأنه "لا يسامحهم إذا تركوا الناصر الشملي يصلي عليه"[30].
وقد أثارت تلك التحولات الاجتماعية مخاوف رجال الزاوية – وهي مخاوف لها ما يبررها – فردوا الفعل:
1- برفض الانصياع لتوصيات المتوفين : إذا أوصى علي بن الحاج محمد الزراد عند وفاته يوم 2 ديسمبر 1927 بأن تكون جنازته في صمت وخشوع فرفضت جماعة الطرق بقولها: "لابد من إجراء العادة حب من حب وكره من كره" ودفن الرجل رغم أنفه بالصياح والصخب[31].
2- بتهديد محمد بوزويته بلعنة الزاوية وسوء المصير فراحوا يرددون في إحدى شطحاتهم :
         يا معترض لأهل الحضرة
من غير علم ولا قرآن
         جاهل تعاند في الفقرة
أنت بقيت كي الشيطان
         لا فيك لا خير ولا جعرة
هذى طريقة ناس زمان
         دخلها النبي سمح البشرة
خمر معانا بالكيسان
         دخلها وجاكم من مرة
 والله شفتو بالأعيان
         حاضر ينشد ع الفقرة
سيدي محمد بن عدنان
       
وأضافوا:
         يا مدعي راك تغريت
وتعبت نفسك يا مغرور
         إن كان ما تبت ووليت
يرميك في قاع التنور[32]
***
حتى إذا جاءت سنة 1931 اعترض الفتى أحمد بن قاسم قعليش – وعمره أربعة عشر عاما – على دفن والدته حسبما تريد لها البدع فنزل والده عند رغبته وشيعت الجنازة بصمت وسكون ويزداد وزن الحدث حين نعلم أن والد الفتى كان سنة 1911 من الأتباع النشيطين لزاوية سيدي عبد السلام[33].
ولم يتوقف عمل بوزويته عند تطهير الجامع والجنائز بل امتد إلى الزواج وما يثقله من التكاليف فدعا إلى التيسير وطرح ما علق بحفلات الزواج من مظاهر الإسراف وقد أثار تدخله حفيظة المعنية الأولى وهي الماشطة (أو الحنانة حسب تعبير العاصمة) رقية بنت عبد الرحمان سويسي (المعروفة محليا باسم رقية بنت حفصة) فراحت تغني حين ألقي القبض على محمد بوزويته يوم 19 نوفمبر 1935 وأبعد إلى برج القصيرة (برج البوف):
تهنى يا رقية ولا تخاف                          بوزويته في برج الباف
وقد علقت شرطة منطقة سوسة على ذلك يوم 28 نوفمبر 1935 بأن الجزء "السليم" من المجتمع الهلالي قد ابتهج بإبعاده[34] فالجزء السليم (Population saine) كانت تمثله – ميدانيا- الماشطة، أما بوزويته فهو يمثل الجزء الموبوء !
ونحن نرى أن موقف الماشطة من محمد بوزويته له ما "يبرره" إذ هي كانت تحس بأن أرض قصر هلال بدأت ترتج تحت قدميها. فهذه الأعراس تتحول إلى أعراس وطنية وإن نظرة على الوصف الصحفي لحفل زفاف الأخوين محمد وعبد الله ابني الحاج علي صوة يوم 26 أكتوبر 1930[35] أو صيحات الفزع التي أطلقها كاهية المكنين يوم 20 أكتوبر 1931 ثم المراقب المدني بسوسة إثر حفل زفاف أحمد بن حسن جمور تبرز أن حفلات الزفاف أصبحت اجتماعات دستورية مقنعة بقناع الزفاف! فهي الأناشيد الوطنية وهي تلاوة قصيد "من أجلك يا وطني أضحي بالنفس والمال" وقصيد "حب الوطن مقدس فاحفظوه" وهي الأعلام ترفع على رأس العريس. ولم تكتف جماعة بوزويته بذلك بل راحت تنظم أعراسا مماثلة بصيادة[36].
هكذا بدأ التحول قبل أن تتبنى الفرق الموسيقية النحاسية العمل وتصبح معزوفاتها في الأعراس ألحانا وطنية.
 


 
 
أفردنا لتأسيس المدرسة القرآنية العصرية "الهلال" بقصر هلال – وذلك هو اسمها الرسمي –المدرسة الابتدائية بشارع صوة حاليا – فصلا خاصا لأن إنشاء تلك المدرسة يمثل بالنسبة إلى تاريخ مدينة قصر هلال محطة لا يمكن طرقه دون التوقف عندها.
فقد كانت المدرسة الحكومية – الفرنكوعربية- تمثل في نظر السكان مكانا لرفع الأمية بدون شك لكنها كانت ترمز أيضا إلى الحضور الأجنبي وقد التحق بها سنة 1928 مركز البريد ناهيك أن احتفالات نهاية الحرب العالمية الأولى جرت يومي 11 و 12 نوفمبر 1918 قبالة المدرسة الحكومية وفي ذلك أكثر من مغزى وإذا كان ابتهاج السكان عظيما سنة 1909 عند إنشاء "مكتب الشوك"[37] وهي التسمية التي أطلقوها على المدرسة الحكومية لأنها كانت محاطة بسياج شائك فإن ابتهاجهم قد تضاءل بعد مرور السنين حين تبين لهم أنها كانت سما داخل الدسم فاستقر عدد تلاميذها حتى خشيت السلطة من تقلصها إلى حد الذوبان.
أما السكان فقد اختلفت مواقفهم بين مقدم ومحجم. فمنهم من فضل لأبنائه التعلم بما فيه وفيهم من فضل لهم الأمية وفيهم من أدخلهم أحد الكتاتيب مع ما كان يسودها من ظروف قاسية. ويدل اختلاف المواقف على أن التعليم بقصر هلال كان يمثل أحد مشاغل الناس وهمومهم. وقد كان محمد بوزويته يرى ويصغي !
***
لقد أجمعت المصادر الشعبية والرسمية على أن محمد بوزويته كان له دور كبير في توجيه صديقه الحاج علي صوة إلى العمل الاجتماعي بعد أن كان يكرس جهوده في خدمة زاويتي سيدي عبد السلام إلى درجة أنه أثار غضب أتباع الزاويتين بسبب إهماله لهما ثم استقال من المشيخة في حركة لا تخلو من العنف إذ أنه أصر على الاستقالة بدون ذكر سبب. كان ذلك في 15 ديسمبر 1919 أي بعد عام واحد من احتفال نهاية الحرب العالمية الأولى التي ساهمت فيها الزوايا يومي 11 و12 نوفمبر 1918 بإعلامها ودفوفها.
وإذا كان محمد بوزويته رجلا أميا كالحاج علي صوة فقد كان وراءهما – كما رأينا- الحاج سالم عياد. وبين فكي ملزمة متكونة من العلم الذي يمثله عياد والعمل الذي يمثله بوزويته اهتدى الحاج علي صوة إلى طريق قال عنها – هو نفسه حين سأله صاحب جريدة الوزير عن سبب بنائه للمدرسة ومشاركته الشخصية في البناء- إنه "جره سعيه في الخير وكفى"[38].
الحاج علي صوة كان رجلا خيرا بالقوة – حسب تعبير الفلاسفة – فحوله محمد بوزويته إلى رجل خيّر بالفعل[39].
***
لماذا سعى بوزويته إلى تأسيس المدرسة القرآنية ؟ لماذا سعى إلى إنشاء مدرسة مغايرة للمدرسة الفرنكوعربية التي كانت موجودة بقصر هلال منذ سنة 1909؟ كيف أمكن له أن يحكم على تعليم لم تتح له فرصة تلقيه ؟
إن الإجابة المقنعة الوحيدة تكمن حسب رأينا في:
1- سكوت الإدارة على الطلب الذي قدمه العدل علي بن حسن ابراهم أمام المقيم العام Alapetite يوم 21 ماي 1911 عند زيارته للمدرسة بتعيين معلم لتعليم العربية والدين الإسلامي[40].
2-نوعية الرجال الذين تمكن من الاحتكاك بهم بهيئة الشعبة الأولى (1921-1924). فقد أيقن أن للمصنع دورا جوهريا في تحديد نوعية الإنتاج. لذلك عمل على إنشاء المدرسة المناسبة لتكوين النشء المطلوب. وقد جاء في تقرير بإمضاء مدير الأمن العمومي مؤرخ في 18 نوفمبر 1929 أن "الناس ينتظرون تكوين رجال متعلمين قادرين على الدفاع عن مصالح البلاد والتونسيين"[41] إنها نظرة محمد عبده إلى الإصلاح! ولا نظن أنه قد خاب ظنه.
***
 
تقول الأوساط الشعبية أن بوزويته وجد صعوبة في جمع الأموال لهذا الغرض وأنه عرض الأمر على الحاج على صوة الذي اشترط على عادته شرطا وحيدا وهو أن يقوم بالعمل بمفرده وأن تعاد الأموال إلى أصحابها. فتم ذلك[42] واتصلا بالطاهر صفر[43] الطالب العائد من فرنسا صيف 1928 والذي وصف بأنه صديق لبوزويته[44] لأنه كان قد أدار المدرسة القرآنية العرفانية بالعاصمة من سنة 1922 إلى 1926 في سبيل الحصول على الرخصة التي يفرضها فتح مدرسة تعتبر من الوجهة القانونية مدرسة حرة. وقد تكفل امحمد شنيق – رئيس القسم التونسي من المجلس الكبير – بتقديم مطلب الرخصة إلى إدارة التعليم العمومي[45] وقد قبل الطلب رغم المعارضة الشديدة لمدير المدرسة الحكومية وتحذيراته.
***
لعل الغاية من إنشاء مدرسة "الهلال" تبرزها الأبيات التي وشحت واجهة المدرسة وهي من نظم الشاعر الهلالي امحمد بن عمر بوشارب وقد جاء فيها:
معاهد يمن لا يرحن أواهلا                            يصان كتاب الله فيها دواما
أقمن على مجد الجدود أدلة                           وقلن لأبناء البلاد الأماما
وهو كلام نعبر عنه اليوم بالتجذر مع التفتح.
***
وإذا كنا لا ننوي الإطناب في الحديث عن مسيرة المدرسة التي كنا أوفيناها حظها في غير هذا المكان[46] فإنه من الضروري أن نتعرض إلى من اعتبرته التقارير الرسمية متسببا في إنشائها أي محمد بوزويته:
§                    فقد أشار تقرير أمني – سري- يوم 12 نوفمبر 1929 – أي بعد عشرة أيام من افتتاح المدرسة إلى أن بوزويته "اقترح" على الحاج علي صوة بناءها وأن الرجلين يفكران في إنشاء مستوصف بقصر هلال مع مجانية العلاج والدواء[47] وأنه –أي بوزويته- يخوض مع معلمي المدرسة في مسائل سياسية وأن اللقاء كان يتم بمنزل بوزويته ليلا صحبة بعض الدستوريين[48] وليس خافيا أن هذا الكلام يوحي ببعض الوشايات …
§                    كتب مدير الأمن يوم 13 جانفي 1930 متحدثا عن المدرسة والأصداء الأولية لتأسيسها بأن الحزب الدستوري ينسب لنفسه فضل إنشائها[49]
§                    عاد مدير الأمن يوم 18 جانفي 1930 إلى الحديث عن المدرسة فكتب: "المسمى محمد بوزويته الملقب "بالمعيرش" رئيس الشعبة الدستورية بقصر هلال عدو فرنسا اللدود Anti-français acharné et notoire والذي يواصل الدعاية المعادية لفرنسا بدون أن يزعجه أحد يطمح إلى أن يمسك بزمام هذه المدرسة. هذا المشوش الذي لو تعلق الأمر بحكومة أكثر حزما لوقع طرده منذ زمان يمقته غير الدستوريين بسبب ما ألحقه بهم من الأذى وهم يسحبون أبناءهم من تلك المدرسة شيئا فشيئا"[50].
ولعل مدير الأمن كان يحلم عند كتابة هذا الكلام، فالعكس هو الصحيح، وقد أجبر محمد بن الحاج علي صوة – مدير المدرسة- على إرجاع حوالي خمسين تلميذا نزحوا من المدرسة الحكومية وأرغم على التعهد بعدم قبول الراغبين في الانتقال إليه مع شروط أخرى كثيرة ! [51]
وقد لاحظنا أثناء درسنا لأصداء ذلك الانجاز تباينا بين المصادر التونسية والمصادر الفرنسية. فإذا رأت الأوساط التونسية في المدرسة مجرد مؤسسة تعليمية فإن الأوساط الفرنسية رأت فيها خطرا داهما، فأجمع كل من مدير المدرسة الحكومية F. Ricard ومتفقد اللغة الفرنسية M.Martin ومدير الأمن على اعتبارها خطرا على الحضور الفرنسي ونعتوها بالمنبت Pépinière   للدستوريين أتباعا وزعماء[52].
 


 
جاء في بلاغ صادر بجريدة النهضة يوم 12 نوفمبر 1936 بمناسبة تأسيس "نقابة قلفات (عملة) النسيج اليدوي": يتقدم مجلس الإدارة إلى الشيخ بوزويته بالشكر الجزيل حيث أنه أجهد نفسه في إفهام الناس منافع النقابات".
هذا الشكر نفسه كاف ليكشف الدور التوعوي الذي قام به محمد بوزويته في إحدى واجهات العمل الوطني وهي واجهة التضامن الحرفي.
§          لقد وجدناه عضوا بالشركة التي تأسست بقصر هلال يوم 7 جوان 1914 لتكون فرعا من الشركة الأهلية وضمت 107 من أصحاب معامل الحياكة بقصر هلال (الأنوال).
§          ثم وجدناه عضوا عند تأسيس شركة تعاونية باسم "الهلالية" لمحترفي الحياكة بقصر هلال يوم 22 نوفمبر 1921 من بين 121 منخرطا
§          ثم وجدناه عضوا بهيئة "نقابة النسيج الهلالية" عند نشأتها برئاسة عثمان بن محمود الشملي في نوفمبر 1933 [53] وهو أمين مال الشعبة.
§          ثم اكتفى بالتوعية والتحريض عند تأسيس نقابة العملة برئاسة محمد بن إبراهيم حريق (ابن الحاج خليفة) في أوائل نوفمبر 1936.
§          ووجدناه عضوا بالتعاضدية التي تأسسست يوم 29 أفريل 1937 لتضم 374 عضوا[54].
وإن نظرة إلى هذه المحطات توضح حضور الرجل بالقول والفعل في كل عمل جماعي يدعو إلى توحيد الجهود ويؤدي إلى تكوين ما دعاه "بالجيش" ! وتطور الأرقام يشير إلى ثمار تلك الجهود !
ولقد نشأت بعد تلك المحطات محطات عديدة أخرى كان محمد بوزويته في منطلقها بل كان واضع السكك في طريقها.


 ***
ما نستطيع أن نستشفه من حياة محمد بوزويته ومواقفه قبل تأسيس الشعبة الدستورية بقصر هلال يوم 23 سبتمبر 1921 – وهو ضئيل جدا- يشير إلى أن الرجل لم تتبين ملامحه بشكل يسمح بالاستنتاج ويشهد على ذلك موقفه من الواقعة التالية :
عند شغور خطة "أمين الحياكة بقصر هلال" إثر استقالة محمد بن عبد الرحمان القفصي في 12 فيفري 1888 ترشح لها كل من امحمد بن حسين بوزويته (1894-1978) وصالح بن حمودة بن علي حمودة (1874-1944) وقد اختلف رجال الصناعة في اختيار الرجل المناسب. فاستكتب كل منهما عدلين حسب التقاليد المعروفة وقد صوت لفائدة الأول 150 وصوّت لفائدة الثاني 85 ووقع الاختيار على الثاني لأنه استكتب عقده قبل الأول بستة أيام ! وما يهمنا هنا هو أن محمد بن عمر بوزويته رشح صالح حمودة دون محمد بوزويته. وهو موقف يثير فينا ملاحظتين :
1- أن محمد بوزويته لم يكن يحمل نعرة التعصب العائلي التي كانت ومازالت تطبع سلوكيات الكثيرين. لقد كنا أشرنا إلى أن شجرة آل بوزويته مترامية الأطراف لكننا لا نعرف – ولم نجد من يعرف – عن أبيه أو عميه حسن ومحمد شيئا ولو ضئيلا. يجب أن نقولها : محمد بوزويته ينتمي إلى آل بوزويته لكنه نشأ مستقلا. وقد تأملنا في الشجرة العائلية فلاحظنا أن فرع الرجل يكاد يكون شجرة قائمة بذاتها. فهو ابن وحيد عاش معزولا وسط الجموع ! كذلك نشأ وكذلك عاش وكذلك انتهى. وقد شاء القدر أن لا ينجب ابنه عمر أبناء وبه توقف الفرع عن النمو.
ويبدو أن اللامبالاة كانت متبادلة بين محمد بوزويته وآل بوزويته ! فقد سعيت جاهدا –منذ سنين- أن أحرك بعضهم لانجاز هذا العمل لكني لم أجد منهم إلا آذانا تصغي وشفاها تؤيد… وكفى !
2- أن اللون السياسي لم يكن يطبع مواقف محمد بوزويته على عكس ما أصبحت عليه منذ بداية العشرينات. وسوف يتحول صالح حمودة الذي سوف يصبح يوم 3 ديسمبر 1917 على رأس المشيخة الجنوبية بقصر هلال من ألد أعداء محمد بوزويته يترصد تحركاته ويبلغ عنها السلطة بحكم وظيفته من جهة وبشيء من ذاته من جهة أخرى. ونستشف بعد هاتين الملاحظتين أن التوجه السياسي لمحمد بوزويته ارتسمت ملامحه خلال السنوات الأخيرة من العشرية الثانية أي خلال الحرب العالمية الأولى وما فتحته نهايتها من آمال لدى الشعوب المضطهدة. ولاشك أن أصداء نهاية الحرب كانت بالعاصمة مغايرة لأصدائها بقصر هلال. فإذا كان من تداعياتها بالعاصمة إنشاء الحزب الحر الدستوري التونسي الذي أعلن عن تأسيسه يوم 17 رمضان 1336هـ. فقد احتفل شيخ الجنوبية بقصر هلال صالح حمودة يومي 11 و 12 نوفمبر 1918 برفع أعلام الزوايا قبالة المدرسة الفرنكوعربية وهي آنذاك الرمز الوحيد للحضور الفرنسي بقصر هلال.


 
سألني أحدهم عن محمد بوزويته وأحمد عياد : أيهما أرفع منزلة بالنظر إلى الحركة الوطنية بقصر هلال فرفضت الإجابة لأني لا أحب الموازنة بين الناس كما لا أحب المفاضلة بين جندي المشاة وجندي الطيران. لكن المقارنة بين الرجلين بدون تفضيل أحدهما على الآخر ممكنة.
في عمرهما بعض التقارب وإن كان محمد بوزويته يكبر أحمد عياد بعشرة أعوام وكلاهما يعمل في تجارة الخيط ومواد الصباغة وكلاهما يقوم بحركة مكوكية بين قصر هلال والعاصمة وكلاهما وطني حتى النخاع.
إلى هنا يتوقف التشابه إذ هما يختلفان في كل ما عدا ذلك !
بوزويته رجل نظامي يحترم الناس ويريد أن يحترمه الناس. يحب النور والعمل الواضح يؤمن بتوزيع المسؤوليات وتدرجها. يكره الارتجال والفوضى ويتشبث بأخلاقيات النضال ويعتبر نفسه ضابطا في جيش.
وعياد رأى والده وهو يعزل بسبب أفكاره الوطنية ورأى الشعبة الدستورية بقصر هلال لا ترد فعلا ولا تصدر حتى احتجاجا[55] فثار على المحتل وكان أول من لفت إليه نظر السلطة بقصر هلال وثار على الشعبة ولم يدخل قط هيئتها. وثار على كل شيء ! فهو لا يعترف بالهياكل والرتب بل إنه جيش به كافة الرتب. وإذا راح بوزويته يلاحق ما يجري بالجوامع والجنائز والأعراس فقد راح عياد يخالط جماعة "تحت السور" حتى أنه توفى بمطبعة زين العابدين السنوسي سنة 1949.
وإذا كان أحمد عياد قد أخذ من ميول والده الوطنية كثيرا أو قليلا فإن بدايات محمد بوزويته في الوعي السياسي محجبة بالغموض. بمن تأثر قبل دخوله الشعبة عند نشأتها في 23 ديسمبر 1921 ؟
***
لقد كان عمره آنذاك واحدا وأربعين عاما. وإذا كنا نعرف أو يخيل إلينا أننا نعرف –بوزويته بداية من ذلك التاريخ فمعنى ذلك أننا لن نعرف إلا ثلاثة وعشرين عاما. وكم من شجرة جذورها ضربت في الأرض فتجاوز طولها الأغصان ! لكن تلك هي ضريبة الشهرة والظهور. فمن كان يخطر بباله أن يسأل بوزويته عمن لقنه أبجدية الوطنية والعمل الوطني ؟
إننا لا نملك في هذا المضمار إلا طاقة التخمين.
ما لا نشك فيه هو أن بوزويته تطور عبر السنين، فبوزويته الذي صوت لفائدة صالح حمودة سنة 1913 ليس ذلك الذي حوكم من أجل عقده اجتماعا بمنزله سنة 1924 ولا هو بوزويته الذي حير السلطة في كل مستوياتها سنة 1933 وإذا كان استعراض مسيرته السياسية يكشف ذلك التطور فإنه يمكن من الصعود إلى منابع الوعي في خط هو ذاته الوعي التونسي عموما.
قالوا إن اتصالاته بأسواق العاصمة مكنته من الاحتكاك بالرجال الذين تمت على أيديهم ولادة الحزب الحر الدستوري التونسي وعلى رأسهم عبد العزيز الثعالبي لكننا لا نملك دليلا على ذلك. ولو وجدنا دليلا لأدركنا سر هذا التشابه الغريب بين مسيرة عبد العزيز الثعالبي الإصلاحية ثم السياسية ثم انهياره ومسيرة بوزويته الإصلاحية ثم السياسية ثم انهياره ! ولم تفصل وفاتهما سنة 1944 إلا تسعة وأربعون يوما !
لا شك أن أحمد توفيق المدني – العضو النشيط باللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري التونسي – وهو رجل من أصل جزائري شأنه شأن عبد العزيز الثعالبي- حل بقصر هلال يوم 23 سبتمبر 1921[56] وهو على بينة من الوضع السائد بها.
فمن قام باستقباله ؟ وكيف كان استقباله ؟ ومن كان يعرف من السكان؟ لا ندري ! لكننا نعرف أن الاجتماع الذي تشكلت فيه أول شعبة دستورية بقصر هلال بل أول شعبة خارج العاصمة على الإطلاق وقع ذلك اليوم بدار الحاج سالم عياد لأن الرجل – كما رأينا- كان معروفا بكامل المنطقة بمواقفه الإصلاحية.
وإذا كنا لا نعجب من عدم ترؤسه للهيئة لتقدمه في السن – فالرجل كان عمره آنذاك 73 عاما – فإننا ما نزال نتساءل عن أسرار الترشح والانتخاب.
يقيننا أن أغلب أعضاء الهيئة لم يكونوا يدركون أبعاد انخراطهم في الحزب فضلا عن دخولهم هيئة الشعبة. وقد قال الحبيب بورقيبة في إحدى خطبه إن الناس لم يكونوا يفرقون بين الحزب السياسي وحزب العيساوية !
وإن المقارنة بين تركيب الهيئة سنة 1921 و 1924 توضح ما كان يكتنف أفكار أعضاء الهيئة الأولى من الغموض. فلم يمر على توليهم سوى ثلاثة أعوام حتى تخلى أغلبهم لأنهم كانوا يحسبون أنها هيئة أعيان. ولما انكشفت لهم الحقيقة انسحبوا. وبقي محمد بوزويته رفقة عبد الله بن محمد البهلول الذي لم يلبث حتى توفي سنة 1930.
لقد حدثت أثناء تلك الفترة حادثتان لا تبعثان على الاطمئنان وليس من شأنهما أن يرضيا الأعيان !
§   أوائل ديسمبر 1921 استقبل المقيم العام وفدا من الحزب الاصلاحي الذي أسسه حسن قلاتي يوم 16 أفريل 1921 وانظم إليه حسونة العياشي من مدينة سوسة والشاذلي القسطلي صاحب جريدة النهضة. وقد راح محمد بوزويته يحتج على تلك المقابلة معلنا أن الحزب الحر الدستوري هو الحزب الوحيد المؤهل لأن ينطق باسم الأمة التونسية[57] وهو موقف يكشف أن بوزويته كان يأخذ دوره الجديد مأخذ الجد. وإذا كان المقيم العام قد أصدر بعد ذلك بلاغا يعلن فيه أن المقابلة تمت بصفة شخصية فأن رفاق بوزويته بالشعبة لا يمكن أن يكونوا راضين عن فعلة زميلهم.
§   يوم 5 أفريل 1922 زحفت الجماهير التونسية صوب قصر الباي محمد الناصر بالمرسى لتعرب له عن مساندتها إثر تهديده بالاستقالة بسبب خلافات تتعلق بصلاحياته. وقد مثل قصر هلال وفد متركب من:
 
-        خليفة بن علي المعلال (1903-1948) شيخ الحي الشمالي من 20-2-1941 إلى وفاته
-        الناصر بن عمر نوار (1888-1966) : خياط[58]
-        محمد بن عمر بوزويته (1880-1944) : تاجر
-        صالح بن محمد مامة (1854-1929) : فلاح
-        أحمد بن ابراهيم بورخيص (1883-1959) : تاجر
-        منصور بن الحاج عمر بن الحاج سليمان (1899-1964): عدل ثم خليفة إلى 1956.
وهو وفد يمثل المجتمع الهلالي بكل أطيافه ويمثل الرأي العام بكل اتجاهاته ولا سبيل إلى أن يبحث له المرء عن قاسم مشترك ! وحتى الأعمار فقد تراوحت بين 19 و68 عاما. أما الشعبة فلم يكن يمثلها فيه إلا محمد بوزويته.
ويكشف هذان الحدثان أن الرجل لم يكن ينتمي إلى هيئة الشعبة إلا قليلا.
وعلى كل حال فقد احتجت الشعبة يوم 8 أفريل 1922 على توقيف جريدة "الصواب" التي نشرت خبر التهديد بالاستقالة[59] مع العلم أن صاحب الجريدة امحمد الجعايبي كان قد صحب أحمد توفيق المدني عند تأسيس شعبة قصر هلال سنة 1921.
***
حتى إذا جاء يوم 23 جانفي 1924 وأمضى مع الممضين في عريضة المطالبة بإرجاع مركز الخلافة إلى قصر هلال[60] فإن ذلك الإمضاء لم يكن إلا استجابة إلى رغبة محلية ناجمة عن تنافس قديم بين قصر هلال والمكنين. والله نحمد أنه لم تقع الاستجابة إلى تلك العريضة ولا إلى ما لحقها من العرائض. فلو أعيد المركز إلى قصر هلال لكان لتاريخها منعرج آخر. فقصر هلال كانت مستقلة – عمليا- منذ ألغي منها مركز الخلافة وهو أمر نرى ضرورة تأكيده لكل من رام درس تاريخ قصر هلال. والعريضة كان من دعاتها الناصر الشملي والصادق الديماسي لرغبتهما في تولي ذلك المنصب.
أما هيئة الشعبة فقد كان وجودها آنذاك شكليا يذكرنا بهيئة اللجنة التنفيذية الأولى التي كان يحرك سواكنها العضو الشاب أحمد توفيق المدني. حتى أن المراقب المدني بسوسة كتب يوم 8 أفريل 1922 بأن الناطق باسم الحزب الحر الدستوري بقصر هلال والداعي إلى الانخراط فيه هو أحمد بن سالم عياد[61] وهو ليس عضوا بالهيئة. وحتى يوم 11 جويلية 1923 فإنه هو الذي يجمع الأموال لفائدة الحزب بقصر هلال[62] وما احتجاج الشعبة يوم     8 أفريل 1922 على توقيف جريدة "الصواب" إلا لأن صاحبها امحمد الجعايبي كان قد رافق احمد توفيق المدني عند تأسيس شعبة قصر هلال[63].
***
أما تلك الهيئة فقد كانت تتركب من : [64]
-   الصادق بن علي الديماسي (1884-1959) : رجل أعمال، عضو مجلس العمل بالمنستبر
-   علي بن العامري الكعلي (1898-1940): مالك فلاحي وتاجر، وكيل جمعية الأوقاف من 1930.
-   الحاج سالم بن امحمد عياد (1852-1928) : عدل وإمام أول
-   احمد بن خليفة القصاب (1879-1954) : عدل
-   محمد بن حسين بوزويته (1881-1974) : صناعي وتاجر
-   محمد بن عمر بوزويته (1880-1944) : تاجر في مواد النسج
-   عبد الله بن محمد البهلول (1875-1930) : حياكة
-   محمد بن حمودة الممي (1876-1956) : حياكة
-   محمد شوشان بايع راسه (1877-1940) : حياكة
وهي كما نرى هيئة يعوزها الانسجام وحتى تناسب الأعمار وإن كان معدلها 43 عاما فإنها كانت تتراوح بين 23 و 69 عاما.


[1]  الأرشيف الوطني، السلسلة E، ص 246، ملف 12.

[2] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة، R781.
[3] كتاب : قصر هلال ومعركة التحرير، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1975، ص 23.
[4] الأرشيف الوطني، الدفتر 4065.
[5] الرائد الرسمي، 15 مارس 1916.
[6] الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 25، ملف 24.
[7] أحمد بكير محمود، قصر هلال ومعركة التحرير، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1975، ص 13.
[8]  الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 25، ملف 24.
[9]  المصدر نفسه.
[10] المصدر نفسه.
[11] أنظر رسالته إلى جريدة العمل يوم 15 جوان 1934 بالملحق 6.
[12] الأرشيف الوطني، السلسلةD ، ص 68، ملف 17.
[13] المصدر نفسه
[14] المصدر نفسه
[15] المصدر نفسه
[16] الأرشيف الوطني، السلسلة A، ص 149، ملف 4.
[17]   جريدة الوزير يوم 26 جانفي 1926 ويوم 9 فيفري 1926.
[18]   جريدة لسان الشعب، يوم 10 فيفري 1926.
[19]   جريدة لسان الشعب 17 جانفي 1927 وجريدة الوزير : 15 فيفري 1927.  
[20]  جريدة لسان الشعب 21 سبتمبر 1927.
[21]  جريدة لسان الشعب 7 سبتمبر 1927
[22]  جريدة لسان الشعب 21 سبتمبر 1927.
[23]  جريدة لسان الشعب 7 سبتمبر 1927.
[24]   الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 25، ملف 24.
[25]   جريدة "لسان الشعب" : 19 جانفي 1927.
[26]   الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 96، ملف 14.
[27]   الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 27، ملف2.
[28]   جريدة "النديم" : 17 أكتوبر 1925.
[29]   جريدة "النديم" : 19 ديسمبر 1925.
[30]   جريدة "لسان الشعب"، 21 سبتمبر 1927.
[31]   جريدة "النديم"، 10 ديسمبر 1927.
[32]   من مخطوط يملكه السيد ماهر بن حمدة بن محمد سويسي يتضمن ما كان ينشده رجال زاوية سيدي بن عيسى بقصر هلال منذ أواخر القرن التاسع عشر.
[33]   الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 151، ملف 28.
[34]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R9 و R676.
[35]   جريدة الوزير، 13 نوفمبر 1930.  
[36]   الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 27، ملف 2.
[37]   كنا ندعو المدرسة الحكومية باسم "المكتب" وتدعو مدرسة الهلال باسم "المدرسة". 
[38]   جريدة "الوزير"، 30 جانفي 1930. 
[39]   الأرشيف الوطني، السلسلةD، ص 68، ملف 17.
[40]   أنظر مقال محمد الهادي العامري، مجلة "مرآة الساحل"، عدد 23، نوفمبر – ديسمبر 1971، سوسة. 
[41]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676.
[42]   جريدة "الوزير"، 30 جانفي 1930.
[43]   وقد ألقى الطاهر صفر يوم 13 أوت 1930 أثناء الحفلة السنوية للمدرسة القرآنية بالمهدية خطابا نوه فيه بالحاج على صوة والهيكل العظيم الذي أنجزه ونشرته جريدة النهضة يوم 20 أوت 1930.
[44]   تقرير أمني مؤرخ في 12 نوفمبر 1929 (المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676.)
[45]   المصدر نفسه.
[46]   كتابنا : قصر هلال من النشأة إلى الاستقلال، تونس 2002، ص 77. 
[47]   وهذا يدل على أن فكرة إنشاء المستشفى الذي أنشئ بعد وفاة بوزويتة كانت من إيحائه منذ ذلك الحين.
[48]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676.
[49]   المصدر نفسه.
[50]   المصدر نفسه.
[51]   تقرير أمني مؤرخ في 8 نوفمبر 1929، المعهد الأعلى، بكرة R676.
[52]   تقرير 12 نوفمبر 1929 (المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676).
[53]   جريدة الزهرة، 29 نوفمبر 1933.
[54]   مرحلية التنظيم التعاوني الحرفي : مراد رقية، مطبعة SNIPE، تونس، بلا تاريخ، ص 205.
[55]   بينما اعتبرت جريدة "الصواب" يوم 21 جانفي 1927 ذلك العزل "هفوة من الحكومة". 
[56]   أحمد توفيق المدني، حياة كفاح، ج1، ص 219، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع – الجزائر، 1976 والمعهد الأعلى، بكرة R26.
[57]   ضمن 5 برقيات و 4 رسائل بها 97 إمضاء، جريدة الصواب، يوم 9 ديسمبر 1921، والمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R26. 
[58]   أكد لنا علي (يدعى حسن) بن احمد بورخيص (محمود حاليا) أن الصورة هي لمحمد ابن الحاج يوسف محمود (باشا).
[59]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R92.
[60]   الأرشيف الوطني: السلسلة A، ص 149، ملف 4.
[61]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R94.
[62]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R92. .
[63]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR281..
[64]   كتاب : قصر هلال ومعركة التحرير : أحمد بكير محمود، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1975، ص 13. 
[65]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR92. 
[66]   قصر هلال ومعركة التحرير : أحمد بكير محمود، شركة فنون الرسم، تونس 1975، ص 16.
[67]   مجلة "المؤتمر"، قصر هلال، مارس 1969.
     نشرية الشعبة الدستورية بقصر هلال، 2 مارس 1974.
[68]   كان الوفد متركبا من أحمد الصافي وصالح فرحات والطيب الجمل وأحمد توفيق المدني الذي رأينا دوره في تأسيس الشعبة وتجديد هيئتها.
[69]   جريدة Le libéral   ، 27 ديسمبر 1924.
[70]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R9.
[71]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR56   و R96.
[72]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R94.
[73]  كتاب : مؤتمر البعث، نشر الحزب الحر الدستوري، تونس 1962، ص 53.
[74]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR97..
[75]   جريدة النهضة، 23 ماي 1925.
[76]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR96.
     Histoire du mouvement national n°3, les mouvements politiques et sociaux, institut supérieur de l’histoire du mouvement national, Tunis. 
[77]   عضو بهيئة الشعبة.  
[78]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R97 
[79]  جريدة لسان الشعب، أسبوعية، 24 جوان 1925.  
[80]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR97. 
[81]   المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R462.  
[82]   الرائد الرسمي، 18-3-1933
La Dépêche tunisienne – quotidien : 11-4-1933.   
[83]  المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676. .  
[84]   الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 15، ملف 1.  
[85]   الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 24، ملف 2.  
[86]