كنت أود أن يخرج هذا العمل –على تواضعه- إلى الوجود يوم 20 مارس 2006 بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال البلاد التونسية الذي لم يكتب لمحمد بوزويته أن يرى فجره.
وعلى كل حال فإن نية الانجاز نشأت بالمناسبة نفسها "وإنما الأعمال بالنيات". طرحت الفكرة على السيد كمال بن الهادي الشرفي الكاتب العام للتجمع الدستوري الديمقراطي بقصر هلال يوم الأحد 5 مارس 2006 فقبلها بدون تردد وأضاف: افعل
وها أنا أفعل
فإليه أهدي هذا العمل ومن خلاله إلى روح رجل لولاه ما أشرق هلال قصر هلال ولولاه لكان للتاريخ منعرج آخر.
ومن الجحود أن يفوتني التنويه بما ساهم به صابر البنبلي في مستوى البحث والاتصال والتصوير.
الحبيب ابراهم
جاء في قاموس "لسان العرب" لابن منظور أن الرائد هو الطالب ومن هذا المعنى جاءت الإرادة. وقد قصدنا هذا المعنى لأننا رأينا في مسيرة محمد بوزويته إرادة ما انفكت تطلب النهضة.
***
وجاء في القاموس الألفبائي التونسي أن الرائد هو الرسول الذي يرسله القوم ليختار لهم مكانا ينزلون فيه. وقد قصدنا هذا المعنى إذ رأينا في محمد بوزويته رسولا حدد لقصر هلال وأهلها حقلا من قطوفه العلم والحرية.
***
وجاء في المنجد الأبجدي أن رائد الضحى هو وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء. وقد قصدنا هذا المعنى إذ رأينا في محمد بوزويته رائد الضحى في قصر هلال بعد أن كانت تعيش في ظل الزوايا.
***
وجاء في القاموس المحيط أن رائد الرحى هو يدها وأن رائد البكرة هو محورها وقد رأينا في محمد بوزويته اليد التي حركت قصر هلال في اتجاه النهضة وأنه جعل بكرة الحياة فيها تدور. لذلك كله جعلنا لكتابنا هذا العنوان : محمد بوزويته رائد النهضة بقصر هلال
حالما أمسكت بالقلم لأشرع في الكتابة عن محمد بوزويته اعترضتني العقبة الكأداء الأولى: كيف أكتب؟
وهو سؤال لا يعترض من رام الحديث عن شاعر أو مؤرخ أو سياسي لأن الشخص المدروس يصطبغ إنتاجه بصبغة واحدة. كذلك الحديث عن لوحة ذات لون واحد. وكيف الحديث عن لوحة تعددت ألوانها وتشابكت خطوطها وتداخلت لمساتها حتى أصبح التعرض إلى بعضها تعسفا على بعضها الآخر ؟
كيف يمكن الحديث عن رجل تناولت تدخلاته كل مجالات الحياة أو أغلبها. ثم كيف يمكن تبويب تلك المجالات إذا كانت بطبيعتها متداخلة كالإصلاح الاجتماعي والنشاط السياسي مثلا ؟
فكرت في انتهاج طريقة التسلسل الزمني – الكرونولوجي حسب تعبير بعضهم – فوجدتني أتحدث عن "الديك طورا وعن الحمار طورا آخر" ثم قررت أن أمزج بين التبويب من جهة والترتيب الزمني من جهة ثانية ولو أدى ذلك إلى تذكير قد يرى فيه القارئ ضربا من التكرار.
**
محمد بوزويته نعتته جريدة "الإرادة" بأنه أب الحركة الوطنية بقصر هلال وقالت ذلك لأنها لم تكن تعرف دوره في مقاومة البدع ومكافحة الممارسات التي يفرضها رجال الطرق الصوفية على الناس في أفراحهم وأتراحهم ولا دوره في نشر التعليم أو حتى في العمل النقابي.
وكيف يمكن التعليق على لوحة ضمت كل هذه الألوان ؟
ولقد وجدنا الإجابة بتقارير السلطة الفرنسية وأعوانها: فهي قد تذمرت منها جميعا. لقد توحدت لديها كل الألوان فأصبح محمد بوزويته رمزا لها جميعا. تحسرت حين تأسست المدرسة القرآنية وساندت رجال الزوايا الذين استظلوا بظلها وتباكت على هوان أعوانها ثم صبت عليه جام غضبها حين راح يمس الأداءات ويطالب بالسيادة بشكل كان يشبه العصيان المدني. لذلك كله دعوت محمد بوزويته برائد النهضة بقصر هلال وسوف يرى القارئ أنه قد تجاوز حدودها.
هو محمد بن عمر بن محمد بن الحاج أحمد بن علي بن حسن بوزويته ينتمي إلى شجرة آل بوزويته وهي إحدى أكبر الأشجار العائلية بقصر هلال وقد سميت باسمها إحدى المشيخات الأربع التي أحدثت بقصر هلال في القرن الثامن عشر باسم "مشيخة الزويتات" وبقيت تحمل ذلك الاسم حتى سنة 1900 حين أصبح تقسيم المشيخات تقسيما جغرافيا .. وقد تفرعت عن تلك الشجرة الأم عائلات : قرن وحسن والشنباح وزهرة.
كان جده محمد بن الحاج أحمد بوزويته ضابطا بجيش الباي (يوزباشي) وقد وقع تغريمه بمائة مطر من الزيت (حوالي 250 ديقة) سنة 1864 عقب ثورة علي بن غذاهم من طرف أحمد زروق.
لا نعرف عن أبيه –عمر- شيئا، فقد أنشئت دفاتر الحالة المدنية سنة 1909 بقانون صادر في 28 ديسمبر 1908 ولم نعثر فيها على أثر لوفاة عمر بوزويته الأب أو أمه خليفة بنت محمد برغل (بطيخ). فقد توفيا قبل ذلك التاريخ. وقد يفسر ذلك عدم دخوله المدرسة رغم أنه ينتمي إلى أسرة جل ذكورها متعلمون. فقد أضطر إلى خوض معترك الحياة مبكرا.
ويمثل تاريخ ولادته – هو الآخر- إشكالا، فالتاريخ المعتمد إلى حد اليوم هو 1884 استنادا إلى تصريح ابنه عمر عند تسجيل وفاته بدفتر الحالة المدنية سنة 1944 إذ صرح بأن عمره 60 عاما. وقد لاحظنا أن ذلك يختلف عما صرح به محمد بوزويته نفسه في مناسبتين أولاهما يوم 22 فيفري 1933 حين صرح بأن عمره 53 عاما وثانيتهما يوم 29 أفريل 1937 حين قال أمام عدلين بأن عمره 57 عاما وهما تصريحان يثبتان أن سنة الولادة كانت 1880 وهو التاريخ الذي نرجحه رغم أن وثيقة أخرى مؤرخة في 17 نوفمبر 1935 تفيد بأن عمره آنذاك 57 عاما.
لم يكتب لمحمد بوزويته أن يدخل المدرسة خاصة وأن أول مدرسة أنشئت بقصر هلال فتحت أبوابها سنة 1909 أي بعد أن بلغ من العمر 29 عاما. ولم يدخل حتى إحدى الكتاتيب. لكن هذه الحقيقة لها أهمية خاصة إذ هي تلقي على سعيه لاحقا لتأسيس المدرسة القرآنية ضوءا لم نكن نراه لو كان متعلما. فالرجل كان متشوقا إلى التعلم كما سنرى بل أنه راح يتعلم القراءة والكتابة بطريقة عصامية. وهذا ما لا يعرفه عنه الكثيرون. وإذا كنا اكتشفنا تحريره من خلال رسالة حررها سنة 1935 سوف نقرأ نصها لاحقا فقد اطلعنا كذلك على خطه من خلال وثيقة سوف نطلع عليها القارئ الكريم.
متى تعلم القراءة والكتابة ؟
لا ندري، فالرجل كان كتوما .. لكننا نعرف أنه كان -حسب التقارير الأمنية- يجتمع بمعلمي المدرسة القرآنية منذ افتتاحها سنة 1929. فهو إذن تعلم القراءة والكتابة بين سنتي 1929 و 1934.
لكن مراسلات الشعبة التي كان يرأسها والتي كانت تستوجب مقدرة أكبر كان يحررها أحمد بن محمد ساسي الذي لم يكن عضوا بهيئتها والذي كان يعمل تاجرا في المواد الغذائية ثم متوظفا بشركة السكك الحديدية. وقد أعطى لنفسه مرة صفة "مقرر الشعبة" واستمر في القيام بتلك المهمة إلى يوم 20 أوت 1933 حين وقعت رسالته إلى محي الدين القليبي بيد السلطة. ويبدو أنه تلقى تهديدا توقف بعده عن تلك المهمة.
لقد شهدت قصر هلال في نهاية القرن التاسع عشر تحولا كاملا في النشاط الاقتصادي لسكانها إذ كان لثورة علي بن غذاهم سنة 1864 التي ساهمت فيها مساهمة كبيرة وما تبعها من اضطهاد أتى على الأخضر واليابس -وقد رأينا ما حل بجد محمد بوزويته – دور في تحويل نشاطها من الفلاحة إلى الحياكة اعتمادا على مواد محلية أول الأمر ثم المواد المستوردة بعد ذلك كانت الحياكة حرفة تكميلية تمارسها النسوة بالمنازل فتحولت إلى حرفة أساسية تمارسها الأسرة بكافة أفرادها.
حدث ذلك في غضون أربعين عاما
وبدأ الحديث عن قصر هلال باعتبارها مركزا هاما للحياكة سنة 1905 [1] حتى إذا جاءت سنة 1909 تحدثت التقارير عنها باعتبارها مركزا "هاما جدا" مما دعا إلى تعليم النسج بالمدرسة الفرنكوعربية سنة 1911.
ولاشك أن لذلك التحول أهمية بالغة : فحياة الفلاح مغايرة تماما لحياة "الحوكي". ذلك يعيش بين الأرض والسماء علاقته بهما حيوية في الرخاء والشدة وهذا يعيش بين الناس.
***
قيل أن الدارس الذي يغفل أن أنكلترا جزيرة لا سبيل إلى أن يفهم كيف يفكر الأنكليز. وقيل إن دارس القطر المصري يجب أن لا ينسى نهر النيل وكذلك نقول إن من تحدث عن قصر هلال يجب أن يضع الحياكة نصب عينيه. ونقول الحياكة ولا النسج أي الصناعة التقليدية. منها كانت بداية قصر هلال في العصر الحديث وبانقراضها اليوم تتعرض ملامح قصر هلال إلى الانقراض.
فقد سيطرت الحياكة على حياة الهلاليين سيطرة مطلقة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى عاش منها وعاش بها وعاش لها تسعة أعشار السكان صبغت اقتصادهم ونشاطهم واهتمامهم وحتى لغتهم حتى نعت بعضهم قصر هلال بأنها "بلاد الخبابل" (الخبالة : كبة مشوشة من الخيط).
ومن خصائص الحياكة أنها حرفة مركبة تركيبا عضويا يجعل من عناصرها وحدة لا سبيل إلى تجزئتها بل أن انفصالها يجر موت كل عناصرها :
§ يشتري الحائك الخيوط المغزولة ومواد الصباغة من البائع الذي يجلبها من العاصمة بوسائله الخاصة.
§ يقوم الصباغ أو الزوجة بصبغها
§ تقوم النسوة بتنشيتها بالمنازل
§ يكون "التقنيط" و"التدوير" أي اللف على القصب (قنانط وجعاب) من طرف النسوة بالمنازل أو الصبية المترشحين للمهنة (صانع تدوير)
§ تحال كمية السدى (القيام) على المختص بالتسدية (سداي)
§ تحال المطواة المعمرة على المناولة لتثبيت المشط (الشفرة) والنير
§ تنصب المطواة الجاهزة في موضعها من طرف صاحب المحل أو معاونه
§ يقوم الحائك بعمله
§ يكون البيع يوميا في أغلب الأحيان بسوق البلدة أو يتلقاه وسطاء يبيعون المنسوجات بالعاصمة أو الدخلة (الوطن القبلي) أو الجنوب أو حتى بالجزائر وليبيا.
§ فالخلالة الواحدة (أو التخليلة أو الملية) تمر من ثمانية إلى عشرة أشخاص. إنها سلسلة متماسكة إذا فسدت إحدى حلقاتها فسدت كلها واختل توازن القرية بأكملها:
§ فحين اضطرب التزويد بالخيط أو ارتفع ثمنه أثناء الحربين وبعدهما اهتزت البلاد بأسرها
§ وحين طرد تسعة من الباعة الهلاليين من الجنوب بسبب نشاطهم السياسي ثارت القرية بأكملها
§ وحين رفع أمين المعاش في معلوم الأداء بسوق الخلالة كتبت العرائض حتى أقيل من مهامه.
فإذا قال أحمد بكير محمود إن قصر هلال رضعت من ضرعين: الحياكة والسياسة قلنا إن السياسة – بقصر هلال على الأقل- بنت الحياكة. لذلك "تسيست" أكثر من جيرانها الذين لهم شواغل مهنية أخرى كالفلاحة والملاحة وإذا انتقلت "العدوى السياسية" إلى القرى المجاورة فبحكم اشتغال بعض سكانها بالحياكة دائما.
وقد لاحظ تقرير أمني مؤرخ في 13 سبتمبر 1949 أن "الشعب الدستورية الجديدة يقع انتدابها من بين أوساط النساجين بقصر هلال وبوحجر"[2] وإذا كتب أحمد بكير محمود متحدثا عن قيادة محمد بوزويته للحركة الوطنية بقصر هلال: "صار الجميع هيكلا واحدا يعمل بمجموعه" وكأن بيد الرجل عصا سحرية يسوق بها قطيعا[3] فقد كان من الأنسب الحديث عن طبيعة المجتمع الهلالي الذي كان في حياته اليومية هيكلا واحدا. وكان يكفي أن يقع التحكم في أحد أطرافه لكي يتم التحكم في الهيكل كله. لذلك قيل إن صناعة الحياكة صناعة مسيّسة.
الحاج سالم عياد
هو سالم بن أحمد بن عياد بن الحاج مبارك بطيخ. ولد بقصر هلال سنة 1852 وتولى خطة عدل بقصر هلال في 31 أكتوبر 1882 [4] ثم الإمامة الأولى بالجامع الكبير يوم أول مارس 1916 [5] بعد وفاة سلفه خليفة بن حسن القصاب يوم 6 ديسمبر 1915.
وكان له من الأبناء: محمد واحمد وحامد
ولعل أسماء الذرية تشير إلى تجذر الأب في تربية إسلامية خالصة.
***
هو الزارع الأول لبذور الإصلاح على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي في التربة الهلالية.
أما عن المستوى الديني والاجتماعي فقد نشرت جريدة "الوزير" إثر وفاته يوم 5 جوان 1928 مقالا مؤرخا في 9 أوت 1928 تحت عنوان "فقيد الإصلاح" جاء فيه : قليل من علماء الخلف من يسير على منوال السلف متبعا الكتاب والسنة وشروح الأئمة. ومن النادرين فضيلة العالم النحرير والقدوة الشهير الحاج سالم عياد عمدة قصر هلال في مراجعة أصول الدين وفروعه وتطبيق القواعد على صحتها مع مقاومة البدع والضلالات الملصقة بالدين والمنسوبة إليه اعتباطا بل افتراء. فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا تغره في الحق لومة لائم … أوصى الفقيد بأن لا ترفع عليه نائحة صوتا ولا تلطم عليه نادبة خدا وأن تسير جنازته طبق الكتاب والسنة بلا أصوات مرتفعة ولا قراءة قرآن في الطرقات فتمم أنجاله وصيته برا بوالدهم المرحوم"[6].
ويوم 6 جويلية 1928 كتبت جريدة "الصواب" مقالا احتل نصف صفحة من صفحاتها تحت عنوان "ما مات من لم يمت ذكره" مضيفة إلى ما سبق عظمة الجنازة التي أقيمت للفقيد إذ صلى عليه أكثر من أربعمائة رجل من سائر جهات الساحل أمهم محمد بن حسين الورداني ونشرت عن مآثره ما لم نر مثيلا له بتلك الصحيفة أو بغيرها.
وإن هذين المقالين – وحدهما- كافيان لإبراز الدور الإصلاحي الذي لعبه الحاج سالم عياد في الساحة الهلالية وخارجها.
وأما في المستوى السياسي فقد فتح الرجل داره لينعقد فيها أول اجتماع سياسي بقصر هلال تأسست خلاله شعبتها الدستورية يوم 23 سبتمبر 1921 وشغل بتلك الهيئة الأولى خطة مساعد للكاتب العام[7]. كما فتح دكانه – حسب شهادة خصومه- ليطالع فيه الراغبون ما يرد عليه من الصحف والمجلات وقد جاء بإحدى الوشايات أنه يفتح (للدستوريين) دكانه ويقرأ لهم جرائدهم"[8] ولا شك أن خطبة أيام الجمعة بالجامع الكبير كانت من جنس ذلك التصرف.
وقد وقع استغلال كل ذلك من طرف خصومه – وعلى رأسهم الإمام الثاني (إمام الصلوات الخمس) الناصر الشملي لينتهي الأمر بعزله من الإمامة الأولى يوم 29 نوفمبر 1926. وحتى ابنه العدل محمد رفض ترشحه لخلافة أبيه لأنه "ابن لرجل مواقفه معادية لفرنسا"[9].
كتب كاهية المكنين يوم 28 سبتمبر 1926 – أي قبل شهرين من العزل أن سالم عياد" متعصب مع أفراد ينتمون للحزب الدستوري"[10] وقد كان محمد بوزويته آنذاك رئيسا للشعبة الدستورية بقصر هلال. فالرجل كما نرى قام في نطاق خطتية –العدالة والإمامة- بنشاط توعوي هام. وحتى داره فإنها بقيت دارا دستورية إذا ما لبثت حتى آوت اجتماع يوم 3 جانفي 1934 ومؤتمر 2 مارس 1934 على يد ابنه أحمد.
***
وقد عايش محمد بوزويته ماحيك لسالم عياد من دسائس وما تعرض له من العزل وشهد الموجة الرجعية التي تمثلت في إطلاق يد الزاوية العيساوية في شتى مجالات الحياة حتى احتل رجالها رحاب الجامع الكبير بعد قيام مشجعهم الأكبر الناصر الشملي بالإمامة الأولى منذ سنة 1925 عند مرض سالم عياد وبعد ذلك بدون تعيين رسمي – إذ بقي الجامع بلا إمام أول حتى الاستقلال ! … وبذلك تحكمت الزاوية في أفراح الناس واتراحهم.
عايش محمد بوزويته كل ذلك وهو رئيس لشعبة المكان وشهد الإطاحة بسالم عياد فدخل المعركة مدركا جيد الإدراك ما كان ينتظره من المصاعب والعقبات. لكنه كان يدرك أيضا أن المعركة الإصلاحية لا محيد عنها لمن رام بناء جبهة داخلية لها من المتانة ما يمكنها من مواجهة غيرها من المعارك. فقد كان الرجل يرمي إلى بناء ما سوف يدعوه سنة 1934 "بالجيش"[11].
بدأ من حيث كان يجب أن يبدأ : بدأ بإصلاح النفوس والعقول. أيقن أن لا سبيل إلى أن يطلب الحرية فضلا عن أن يضحي في سبيلها من كان داخله مغلولا. وقد رأى في رواد الزوايا طاقات مهدورة. فراح يقومها ثم يقاومها. بدأ بزاوية سيدي عبد السلام فأقنع شيخها الحاج على صوة بالتخلي عنها والتوجه صوب ما ينفع الناس فاستقال من مشيختها سنة 1919 بعد أن قضى بها ثمانية أعوام. وبقيت زاوية سيدي بنعيسى وهي زاوية ذات ماض عتيد ويسيرها رجال اعترف بهم مؤسس الدولة الحسينية نفسه !
وقد استفحل أمر الزاوية حين أفسح زوال عقبة الحاج سالم عياد المجال لممارسة النشاط الطرقي داخل الجامع الكبير نفسه.
وكانت جماعة العيساوية تحسب أنها قد كسبت باقتحامها رحاب الجامع بمباركة من الإمام الناصر الشملي الحصانة وتحسب أنها في مأمن من رجال الإصلاح حتى كان يوم الجمعة 31 جويلية 1925 حين دخل محمد بوزويته الجامع صحبة ثلة من شبان الشعبة قبل صلاة الجمعة واتباع العيساوية يرددون أناشيدهم فتوجه إلى المصلين قائلا: "أتعجبكم وغوغة دلائل الخيرات؟"[12] ورد رجال الزاوية الفعل أمام الخطر الداهم بتحرير عريضة يوم أول أوت 1925 – أي غداة الواقعة – يحتجون فيها على بوزويته و"حزبه الدستوري"[13].
وحرر الطرف المقابل عريضة يوم 2 أوت 1925 للتنديد بممارسة "جماعة دلائل الخيرات" لنشاطها بالجامع وتشييعها للجنائز[14].
ولم تكن للعريضتين نتيجة تذكر. فكتب عبد الله بن محمد البهلول – وهو عضو بالشعبة الدستورية يوم 18 ديسمبر 1925 يبلغ عن تمرد الناصر الشملي على توصيات الوزير الأكبر بخفض الصوت عند القراءة يوم الجمعة[15].
***
دخل بوزويته المعركة بأسلحة غير متكافئة. فخصومه يملكون المقر ويملكون منبر الجامع وتقف وراءهم السلطة الحاكمة في كل مستوياتها ثم إنهم يملكون في رصيدهم انتصارا.
هل كان ينوي مواجهة جماعة الزاوية منذ البداية أم جرفته الأحداث؟
لا ندري فقد عثرنا على عريضة مؤرخة في 23 جانفي 1924 تطالب بإعادة مركز الخلافة إلى قصر هلال وهو المركز الذي حذف منذ سنة 1897 حين ارتأت السلطة ضم قصر هلال إلى مركز المكنين نظرا إلى قصر المسافة بين القريتين. وقد كان من بين الممضين كل من محمد بوزويته والناصر الشملي وفرج الإميم والصادق الديماسي ومحمد العامري الكعلي وعثمان الشملي وهي وجوه متنافرة أشد التنافر[16].
وسرعان ما تغيرت العلاقات :
فقد توجه أصبع الاتهام إلى الناصر الشملي حين وقعت الوشاية بمحمد بوزويته الذي فوجئ وهو يعقد اجتماعا يضم حوالي ثلاثين شخصا بمنزله يوم 18 ديسمبر 1924. فمن الواضح أن الأمر يتعلق بوشاية موصوفة حيث أن الاجتماع كان بمنزل وفي فصل الشتاء وفي العاشرة ليلا وحيث أن رجال الجندرمة قدموا من المكنين. لكن لماذا نسبت تلك الوشاية إلى الناصر الشملي دون سواه ؟
لقد قال الناصر الشملي – أكثر من مرة- أن العداوة نشبت منذ رفض الانضمام إلى الحركة الدستورية وردد قوله قصد تأليب السلطة بدون شك لكن قد تكون هي الحقيقة. فالرجل لم يشارك في أي حركة قد يشتم منها رائحة نقد أو معارضة أو حتى امتعاض. أما مطالبته – صحبة الآخرين – بإرجاع مركز الخلافة فقد تكون من باب الطموح الشخصي الذي كان عظيما. ألم يطح بسالم عياد من أجل الحصول على الإمامة الأولى ؟
تلك الوشاية كانت – في رأينا – منطلق المعركة التي دارت رحاها على مدى تسعة أعوام لكنها لا تفسر الأسباب السابقة.
لقد كان الناصر الشملي يعتبر محمد بوزويته – عن حق – نصير الحاج سالم عياد ثم وريثه في الاتجاه الإصلاحي لكنه أخطأ إذ حسب أن معطيات المعركة قد بقيت على حالها. فلم يحسب للشعب – وللشباب منه خاصة – حسابا.
كان سالم عياد فردا، أما بوزويته فقد كان أخطبوطا. وسرعان ما شددت أصابع بوزويته الخناق على الناصر الشملي فراح يشكو أمره إلى الكاهية الذي نصحه بأن يرفع أمره إلى العدالة. ففعل موجها إلى بوزويته تهمة "التشويش على الإمام". لكن المحكمة قضت يوم 4 فيفري 1926 بعدم سماع الدعوى[17] وقد دافع عن بوزويته راجح ابراهيم. مع العلم أن المدعي العام طالب بتسليط 6 أشهر سجنا[18].
وذاق الناصر الشملي طعم الهزيمة لأول مرة وذاقها معه كاهية المكنين الذي تبنى قضية الناصر الشملي بصفة شخصية فجاء إلى قصر هلال في أواخر نوفمبر 1926 ودخل الجامع وأعلم المصلين بتوقيف الحاج سالم عياد وأمرهم بانتخاب الناصر الشملي بدلا عنه. وكان رد الفعل عكسيا فامتنعوا. وعند الخروج من الصلاة قاموا بمظاهرة احتجاج على ذلك التدخل وكتبوا عريضة إلى الوزير الأكبر فدعا المراقب المدني بسوسة محمد بوزويته في أوائل ديسمبر 1926 وهدده معتبرا إياه مسؤولا عما جرى[19] وقد علقت جريدة "الوزير" بأن سكان قصر هلال أصبحوا يؤدون صلاة الجمعة بالمكنين.
لقد كانت السلطة الحاكمة منحازة إلى الناصر الشملي كامل الانحياز وساندته بكل قواها وكان يرد لها الجميل بالدعاء للكاهية عقب الصلوات[20] والمواظبة النشيطة على حضور كل المناسبات الرسمية وعند تنصيب كل من يقع تعيينه في المستوى المحلي والجهوي باعتباره "إمام الجامع الكبير".
أصدرت الوزارة الكبرى أمرا بانتخاب إمام أول لكن الأمر لم يقع تنفيذه. "ثم كتبت عريضة تحمل 150 إمضاء تطالب بتعيين أحمد بن محمد الشرفي إماما أول ولم تنفذ هي الأخرى[21] وأكدت "لسان الشعب" ما كتبته "الوزير" من أن المصلين بقصر هلال يؤدون صلاة الجمعة بالمكنين رافضين الصلاة وراء الناصر الشملي[22] حتى وصفته "لسان الشعب" بأنه إمام بالدبوس"[23].
****
كان الناصر الشملي هو الذي اختار السلاح السياسي وهو السلاح الذي جرب نجاعته مع سالم عياد، لكنه كان سلاحا ذا حدين إذ كان السلاح الذي أطاح به هو شخصيا. فمحمد بوزويته ليس سالم عياد وإذا كانا يؤمنان بهدف واحد فإن الوسائل التي استخدمها الرجلان كانت شديدة الاختلاف. سالم عياد رجل علم ودين ومحمد بوزويته رجل أمي ونساج. للأول مبادئ وقيم لا يرضى أن يتجاوزها أو ينزل دونها والثاني رجل عركته الشدائد. ثم إن الأول يعمل بمفرده بينما الثاني عرف كيف يحيط نفسه بجماعة كانت رأس حربة ومن أفرادها البارزين الطاهر بن حمدة بوغزالة وعلي بن محمود الشملي قبل أن ينضم إليهما آخرون.
وما لبث حتى أصبح الناصر الشملي في موضع سالم عياد بل أشد سوءا !
كان يحسب الجامع حصنا منيعا يقول فيه ما يشاء ويتصرف كما يحلو له حتى دخله بوزويته وقال فيه ما قال.
وقد كانت تلك العملية منطلقا جديدا لمعركة تجاوزت حدود قصر هلال لتأخذ أبعادا جهوية ووطنية على الصعيد الإداري والقضائي والصحفي.
ثم كان للفشل القضائي أثر بالغ على الناصر الشملي إذ ازداد به تعنتا والتحاما بالسلطة الحامية فإذا راح الناصر الشملي يوم 9 ماي 1928 يبلغ عن مناهضة بوزويته لقانون التجنيس[24] وأنه وجماعته "مهيجون ويعملون ضد فرنسا ولهم أعمال سرية خطرة"[25] راح بوزويته ورفاقه يهتفون بالجامع وخارجه مرددين عبارات "وشاية" و "جواسيس" و"خونة".
ولقد جاءت استقالة محمد بن علي بوراس من مشيخة زاوية سيدي بنعيسى بسبب تقدمه في السن وثقل أعباء الزاوية حسب قوله[26] يوم 2 فيفري 1929 لتعلن عن بداية النهاية للزاوية وطقوسها.
وتحول النزاع إلى مواجهة سياسية في وضح النهار حتى إذا عاد الناصر الشملي إلى التذمر من "التشويش" يوم 24 سبتمبر 1933 وسانده كاهية المكنين تجاوزت الردود صاحب الشكوى لتشمل أقاربه حتى لجأ أخوه عبد الرزاق وصهره محمد الشارف إلى طلب الحماية من اعتداءات الدستوريين أو السماح لهما بالانخراط في الحزب[27].
***
ولم يقتصر عمل بوزويته على تطهير الجامع من الممارسات الطرقية بل تعداه إلى سلوكيات الناس أثناء مراسم الدفن حيث كان رجال الزاوية يرافقون النعوش "بأصوات تكاد تبلغ عنان السماء" كما عبرت عن ذلك جريدة "النديم" يوم 17 أكتوبر 1925 وقد كان لقائد المجموعة ومقدم الزاوية ابراهيم بن محمد كوزانة صوت جهوري نال به لقب "بوق قصر هلال"[28] وقد نجح بوزويته في محو تلك البدعة نجاحا باهرا.
فقد توفي الحاج قارة بن محمد هلال يوم 11 ديسمبر 1925 عن سن 75 عاما موصيا بأن تشيع جنازته "طبق ما جاء في الشريعة وتم له ذلك"[29]
وتوفى محمد بن الحاج محمد فنينة الكعلي يوم 31 أوت 1927 عن سن 75 عاما موصيا بأن يؤم صلاة جنازته الحاج سالم عياد وأنه "لا يسامحهم إذا تركوا الناصر الشملي يصلي عليه"[30].
وقد أثارت تلك التحولات الاجتماعية مخاوف رجال الزاوية – وهي مخاوف لها ما يبررها – فردوا الفعل:
1- برفض الانصياع لتوصيات المتوفين : إذا أوصى علي بن الحاج محمد الزراد عند وفاته يوم 2 ديسمبر 1927 بأن تكون جنازته في صمت وخشوع فرفضت جماعة الطرق بقولها: "لابد من إجراء العادة حب من حب وكره من كره" ودفن الرجل رغم أنفه بالصياح والصخب[31].
2- بتهديد محمد بوزويته بلعنة الزاوية وسوء المصير فراحوا يرددون في إحدى شطحاتهم :
|
يا معترض لأهل الحضرة
|
من غير علم ولا قرآن
|
|
جاهل تعاند في الفقرة
|
أنت بقيت كي الشيطان
|
|
لا فيك لا خير ولا جعرة
|
هذى طريقة ناس زمان
|
|
دخلها النبي سمح البشرة
|
خمر معانا بالكيسان
|
|
دخلها وجاكم من مرة
|
والله شفتو بالأعيان
|
|
حاضر ينشد ع الفقرة
|
سيدي محمد بن عدنان
|
وأضافوا:
|
يا مدعي راك تغريت
|
وتعبت نفسك يا مغرور
|
|
إن كان ما تبت ووليت
|
|
***
حتى إذا جاءت سنة 1931 اعترض الفتى أحمد بن قاسم قعليش – وعمره أربعة عشر عاما – على دفن والدته حسبما تريد لها البدع فنزل والده عند رغبته وشيعت الجنازة بصمت وسكون ويزداد وزن الحدث حين نعلم أن والد الفتى كان سنة 1911 من الأتباع النشيطين لزاوية سيدي عبد السلام[33].
ولم يتوقف عمل بوزويته عند تطهير الجامع والجنائز بل امتد إلى الزواج وما يثقله من التكاليف فدعا إلى التيسير وطرح ما علق بحفلات الزواج من مظاهر الإسراف وقد أثار تدخله حفيظة المعنية الأولى وهي الماشطة (أو الحنانة حسب تعبير العاصمة) رقية بنت عبد الرحمان سويسي (المعروفة محليا باسم رقية بنت حفصة) فراحت تغني حين ألقي القبض على محمد بوزويته يوم 19 نوفمبر 1935 وأبعد إلى برج القصيرة (برج البوف):
تهنى يا رقية ولا تخاف بوزويته في برج الباف
وقد علقت شرطة منطقة سوسة على ذلك يوم 28 نوفمبر 1935 بأن الجزء "السليم" من المجتمع الهلالي قد ابتهج بإبعاده[34] فالجزء السليم (Population saine) كانت تمثله – ميدانيا- الماشطة، أما بوزويته فهو يمثل الجزء الموبوء !
ونحن نرى أن موقف الماشطة من محمد بوزويته له ما "يبرره" إذ هي كانت تحس بأن أرض قصر هلال بدأت ترتج تحت قدميها. فهذه الأعراس تتحول إلى أعراس وطنية وإن نظرة على الوصف الصحفي لحفل زفاف الأخوين محمد وعبد الله ابني الحاج علي صوة يوم 26 أكتوبر 1930[35] أو صيحات الفزع التي أطلقها كاهية المكنين يوم 20 أكتوبر 1931 ثم المراقب المدني بسوسة إثر حفل زفاف أحمد بن حسن جمور تبرز أن حفلات الزفاف أصبحت اجتماعات دستورية مقنعة بقناع الزفاف! فهي الأناشيد الوطنية وهي تلاوة قصيد "من أجلك يا وطني أضحي بالنفس والمال" وقصيد "حب الوطن مقدس فاحفظوه" وهي الأعلام ترفع على رأس العريس. ولم تكتف جماعة بوزويته بذلك بل راحت تنظم أعراسا مماثلة بصيادة[36].
هكذا بدأ التحول قبل أن تتبنى الفرق الموسيقية النحاسية العمل وتصبح معزوفاتها في الأعراس ألحانا وطنية.
أفردنا لتأسيس المدرسة القرآنية العصرية "الهلال" بقصر هلال – وذلك هو اسمها الرسمي –المدرسة الابتدائية بشارع صوة حاليا – فصلا خاصا لأن إنشاء تلك المدرسة يمثل بالنسبة إلى تاريخ مدينة قصر هلال محطة لا يمكن طرقه دون التوقف عندها.
فقد كانت المدرسة الحكومية – الفرنكوعربية- تمثل في نظر السكان مكانا لرفع الأمية بدون شك لكنها كانت ترمز أيضا إلى الحضور الأجنبي وقد التحق بها سنة 1928 مركز البريد ناهيك أن احتفالات نهاية الحرب العالمية الأولى جرت يومي 11 و 12 نوفمبر 1918 قبالة المدرسة الحكومية وفي ذلك أكثر من مغزى وإذا كان ابتهاج السكان عظيما سنة 1909 عند إنشاء "مكتب الشوك"[37] وهي التسمية التي أطلقوها على المدرسة الحكومية لأنها كانت محاطة بسياج شائك فإن ابتهاجهم قد تضاءل بعد مرور السنين حين تبين لهم أنها كانت سما داخل الدسم فاستقر عدد تلاميذها حتى خشيت السلطة من تقلصها إلى حد الذوبان.
أما السكان فقد اختلفت مواقفهم بين مقدم ومحجم. فمنهم من فضل لأبنائه التعلم بما فيه وفيهم من فضل لهم الأمية وفيهم من أدخلهم أحد الكتاتيب مع ما كان يسودها من ظروف قاسية. ويدل اختلاف المواقف على أن التعليم بقصر هلال كان يمثل أحد مشاغل الناس وهمومهم. وقد كان محمد بوزويته يرى ويصغي !
***
لقد أجمعت المصادر الشعبية والرسمية على أن محمد بوزويته كان له دور كبير في توجيه صديقه الحاج علي صوة إلى العمل الاجتماعي بعد أن كان يكرس جهوده في خدمة زاويتي سيدي عبد السلام إلى درجة أنه أثار غضب أتباع الزاويتين بسبب إهماله لهما ثم استقال من المشيخة في حركة لا تخلو من العنف إذ أنه أصر على الاستقالة بدون ذكر سبب. كان ذلك في 15 ديسمبر 1919 أي بعد عام واحد من احتفال نهاية الحرب العالمية الأولى التي ساهمت فيها الزوايا يومي 11 و12 نوفمبر 1918 بإعلامها ودفوفها.
وإذا كان محمد بوزويته رجلا أميا كالحاج علي صوة فقد كان وراءهما – كما رأينا- الحاج سالم عياد. وبين فكي ملزمة متكونة من العلم الذي يمثله عياد والعمل الذي يمثله بوزويته اهتدى الحاج علي صوة إلى طريق قال عنها – هو نفسه حين سأله صاحب جريدة الوزير عن سبب بنائه للمدرسة ومشاركته الشخصية في البناء- إنه "جره سعيه في الخير وكفى"[38].
الحاج علي صوة كان رجلا خيرا بالقوة – حسب تعبير الفلاسفة – فحوله محمد بوزويته إلى رجل خيّر بالفعل[39].
***
لماذا سعى بوزويته إلى تأسيس المدرسة القرآنية ؟ لماذا سعى إلى إنشاء مدرسة مغايرة للمدرسة الفرنكوعربية التي كانت موجودة بقصر هلال منذ سنة 1909؟ كيف أمكن له أن يحكم على تعليم لم تتح له فرصة تلقيه ؟
إن الإجابة المقنعة الوحيدة تكمن حسب رأينا في:
1- سكوت الإدارة على الطلب الذي قدمه العدل علي بن حسن ابراهم أمام المقيم العام Alapetite يوم 21 ماي 1911 عند زيارته للمدرسة بتعيين معلم لتعليم العربية والدين الإسلامي[40].
2-نوعية الرجال الذين تمكن من الاحتكاك بهم بهيئة الشعبة الأولى (1921-1924). فقد أيقن أن للمصنع دورا جوهريا في تحديد نوعية الإنتاج. لذلك عمل على إنشاء المدرسة المناسبة لتكوين النشء المطلوب. وقد جاء في تقرير بإمضاء مدير الأمن العمومي مؤرخ في 18 نوفمبر 1929 أن "الناس ينتظرون تكوين رجال متعلمين قادرين على الدفاع عن مصالح البلاد والتونسيين"[41] إنها نظرة محمد عبده إلى الإصلاح! ولا نظن أنه قد خاب ظنه.
***
تقول الأوساط الشعبية أن بوزويته وجد صعوبة في جمع الأموال لهذا الغرض وأنه عرض الأمر على الحاج على صوة الذي اشترط على عادته شرطا وحيدا وهو أن يقوم بالعمل بمفرده وأن تعاد الأموال إلى أصحابها. فتم ذلك[42] واتصلا بالطاهر صفر[43] الطالب العائد من فرنسا صيف 1928 والذي وصف بأنه صديق لبوزويته[44] لأنه كان قد أدار المدرسة القرآنية العرفانية بالعاصمة من سنة 1922 إلى 1926 في سبيل الحصول على الرخصة التي يفرضها فتح مدرسة تعتبر من الوجهة القانونية مدرسة حرة. وقد تكفل امحمد شنيق – رئيس القسم التونسي من المجلس الكبير – بتقديم مطلب الرخصة إلى إدارة التعليم العمومي[45] وقد قبل الطلب رغم المعارضة الشديدة لمدير المدرسة الحكومية وتحذيراته.
***
لعل الغاية من إنشاء مدرسة "الهلال" تبرزها الأبيات التي وشحت واجهة المدرسة وهي من نظم الشاعر الهلالي امحمد بن عمر بوشارب وقد جاء فيها:
معاهد يمن لا يرحن أواهلا يصان كتاب الله فيها دواما
أقمن على مجد الجدود أدلة وقلن لأبناء البلاد الأماما
وهو كلام نعبر عنه اليوم بالتجذر مع التفتح.
***
وإذا كنا لا ننوي الإطناب في الحديث عن مسيرة المدرسة التي كنا أوفيناها حظها في غير هذا المكان[46] فإنه من الضروري أن نتعرض إلى من اعتبرته التقارير الرسمية متسببا في إنشائها أي محمد بوزويته:
§ فقد أشار تقرير أمني – سري- يوم 12 نوفمبر 1929 – أي بعد عشرة أيام من افتتاح المدرسة إلى أن بوزويته "اقترح" على الحاج علي صوة بناءها وأن الرجلين يفكران في إنشاء مستوصف بقصر هلال مع مجانية العلاج والدواء[47] وأنه –أي بوزويته- يخوض مع معلمي المدرسة في مسائل سياسية وأن اللقاء كان يتم بمنزل بوزويته ليلا صحبة بعض الدستوريين[48] وليس خافيا أن هذا الكلام يوحي ببعض الوشايات …
§ كتب مدير الأمن يوم 13 جانفي 1930 متحدثا عن المدرسة والأصداء الأولية لتأسيسها بأن الحزب الدستوري ينسب لنفسه فضل إنشائها[49]
§ عاد مدير الأمن يوم 18 جانفي 1930 إلى الحديث عن المدرسة فكتب: "المسمى محمد بوزويته الملقب "بالمعيرش" رئيس الشعبة الدستورية بقصر هلال عدو فرنسا اللدود Anti-français acharné et notoire والذي يواصل الدعاية المعادية لفرنسا بدون أن يزعجه أحد يطمح إلى أن يمسك بزمام هذه المدرسة. هذا المشوش الذي لو تعلق الأمر بحكومة أكثر حزما لوقع طرده منذ زمان يمقته غير الدستوريين بسبب ما ألحقه بهم من الأذى وهم يسحبون أبناءهم من تلك المدرسة شيئا فشيئا"[50].
ولعل مدير الأمن كان يحلم عند كتابة هذا الكلام، فالعكس هو الصحيح، وقد أجبر محمد بن الحاج علي صوة – مدير المدرسة- على إرجاع حوالي خمسين تلميذا نزحوا من المدرسة الحكومية وأرغم على التعهد بعدم قبول الراغبين في الانتقال إليه مع شروط أخرى كثيرة ! [51]
وقد لاحظنا أثناء درسنا لأصداء ذلك الانجاز تباينا بين المصادر التونسية والمصادر الفرنسية. فإذا رأت الأوساط التونسية في المدرسة مجرد مؤسسة تعليمية فإن الأوساط الفرنسية رأت فيها خطرا داهما، فأجمع كل من مدير المدرسة الحكومية F. Ricard ومتفقد اللغة الفرنسية M.Martin ومدير الأمن على اعتبارها خطرا على الحضور الفرنسي ونعتوها بالمنبت Pépinière للدستوريين أتباعا وزعماء[52].
جاء في بلاغ صادر بجريدة النهضة يوم 12 نوفمبر 1936 بمناسبة تأسيس "نقابة قلفات (عملة) النسيج اليدوي": يتقدم مجلس الإدارة إلى الشيخ بوزويته بالشكر الجزيل حيث أنه أجهد نفسه في إفهام الناس منافع النقابات".
هذا الشكر نفسه كاف ليكشف الدور التوعوي الذي قام به محمد بوزويته في إحدى واجهات العمل الوطني وهي واجهة التضامن الحرفي.
§ لقد وجدناه عضوا بالشركة التي تأسست بقصر هلال يوم 7 جوان 1914 لتكون فرعا من الشركة الأهلية وضمت 107 من أصحاب معامل الحياكة بقصر هلال (الأنوال).
§ ثم وجدناه عضوا عند تأسيس شركة تعاونية باسم "الهلالية" لمحترفي الحياكة بقصر هلال يوم 22 نوفمبر 1921 من بين 121 منخرطا
§ ثم وجدناه عضوا بهيئة "نقابة النسيج الهلالية" عند نشأتها برئاسة عثمان بن محمود الشملي في نوفمبر 1933 [53] وهو أمين مال الشعبة.
§ ثم اكتفى بالتوعية والتحريض عند تأسيس نقابة العملة برئاسة محمد بن إبراهيم حريق (ابن الحاج خليفة) في أوائل نوفمبر 1936.
§ ووجدناه عضوا بالتعاضدية التي تأسسست يوم 29 أفريل 1937 لتضم 374 عضوا[54].
وإن نظرة إلى هذه المحطات توضح حضور الرجل بالقول والفعل في كل عمل جماعي يدعو إلى توحيد الجهود ويؤدي إلى تكوين ما دعاه "بالجيش" ! وتطور الأرقام يشير إلى ثمار تلك الجهود !
ولقد نشأت بعد تلك المحطات محطات عديدة أخرى كان محمد بوزويته في منطلقها بل كان واضع السكك في طريقها.
***
ما نستطيع أن نستشفه من حياة محمد بوزويته ومواقفه قبل تأسيس الشعبة الدستورية بقصر هلال يوم 23 سبتمبر 1921 – وهو ضئيل جدا- يشير إلى أن الرجل لم تتبين ملامحه بشكل يسمح بالاستنتاج ويشهد على ذلك موقفه من الواقعة التالية :
عند شغور خطة "أمين الحياكة بقصر هلال" إثر استقالة محمد بن عبد الرحمان القفصي في 12 فيفري 1888 ترشح لها كل من امحمد بن حسين بوزويته (1894-1978) وصالح بن حمودة بن علي حمودة (1874-1944) وقد اختلف رجال الصناعة في اختيار الرجل المناسب. فاستكتب كل منهما عدلين حسب التقاليد المعروفة وقد صوت لفائدة الأول 150 وصوّت لفائدة الثاني 85 ووقع الاختيار على الثاني لأنه استكتب عقده قبل الأول بستة أيام ! وما يهمنا هنا هو أن محمد بن عمر بوزويته رشح صالح حمودة دون محمد بوزويته. وهو موقف يثير فينا ملاحظتين :
1- أن محمد بوزويته لم يكن يحمل نعرة التعصب العائلي التي كانت ومازالت تطبع سلوكيات الكثيرين. لقد كنا أشرنا إلى أن شجرة آل بوزويته مترامية الأطراف لكننا لا نعرف – ولم نجد من يعرف – عن أبيه أو عميه حسن ومحمد شيئا ولو ضئيلا. يجب أن نقولها : محمد بوزويته ينتمي إلى آل بوزويته لكنه نشأ مستقلا. وقد تأملنا في الشجرة العائلية فلاحظنا أن فرع الرجل يكاد يكون شجرة قائمة بذاتها. فهو ابن وحيد عاش معزولا وسط الجموع ! كذلك نشأ وكذلك عاش وكذلك انتهى. وقد شاء القدر أن لا ينجب ابنه عمر أبناء وبه توقف الفرع عن النمو.
ويبدو أن اللامبالاة كانت متبادلة بين محمد بوزويته وآل بوزويته ! فقد سعيت جاهدا –منذ سنين- أن أحرك بعضهم لانجاز هذا العمل لكني لم أجد منهم إلا آذانا تصغي وشفاها تؤيد… وكفى !
2- أن اللون السياسي لم يكن يطبع مواقف محمد بوزويته على عكس ما أصبحت عليه منذ بداية العشرينات. وسوف يتحول صالح حمودة الذي سوف يصبح يوم 3 ديسمبر 1917 على رأس المشيخة الجنوبية بقصر هلال من ألد أعداء محمد بوزويته يترصد تحركاته ويبلغ عنها السلطة بحكم وظيفته من جهة وبشيء من ذاته من جهة أخرى. ونستشف بعد هاتين الملاحظتين أن التوجه السياسي لمحمد بوزويته ارتسمت ملامحه خلال السنوات الأخيرة من العشرية الثانية أي خلال الحرب العالمية الأولى وما فتحته نهايتها من آمال لدى الشعوب المضطهدة. ولاشك أن أصداء نهاية الحرب كانت بالعاصمة مغايرة لأصدائها بقصر هلال. فإذا كان من تداعياتها بالعاصمة إنشاء الحزب الحر الدستوري التونسي الذي أعلن عن تأسيسه يوم 17 رمضان 1336هـ. فقد احتفل شيخ الجنوبية بقصر هلال صالح حمودة يومي 11 و 12 نوفمبر 1918 برفع أعلام الزوايا قبالة المدرسة الفرنكوعربية وهي آنذاك الرمز الوحيد للحضور الفرنسي بقصر هلال.
سألني أحدهم عن محمد بوزويته وأحمد عياد : أيهما أرفع منزلة بالنظر إلى الحركة الوطنية بقصر هلال فرفضت الإجابة لأني لا أحب الموازنة بين الناس كما لا أحب المفاضلة بين جندي المشاة وجندي الطيران. لكن المقارنة بين الرجلين بدون تفضيل أحدهما على الآخر ممكنة.
في عمرهما بعض التقارب وإن كان محمد بوزويته يكبر أحمد عياد بعشرة أعوام وكلاهما يعمل في تجارة الخيط ومواد الصباغة وكلاهما يقوم بحركة مكوكية بين قصر هلال والعاصمة وكلاهما وطني حتى النخاع.
إلى هنا يتوقف التشابه إذ هما يختلفان في كل ما عدا ذلك !
بوزويته رجل نظامي يحترم الناس ويريد أن يحترمه الناس. يحب النور والعمل الواضح يؤمن بتوزيع المسؤوليات وتدرجها. يكره الارتجال والفوضى ويتشبث بأخلاقيات النضال ويعتبر نفسه ضابطا في جيش.
وعياد رأى والده وهو يعزل بسبب أفكاره الوطنية ورأى الشعبة الدستورية بقصر هلال لا ترد فعلا ولا تصدر حتى احتجاجا[55] فثار على المحتل وكان أول من لفت إليه نظر السلطة بقصر هلال وثار على الشعبة ولم يدخل قط هيئتها. وثار على كل شيء ! فهو لا يعترف بالهياكل والرتب بل إنه جيش به كافة الرتب. وإذا راح بوزويته يلاحق ما يجري بالجوامع والجنائز والأعراس فقد راح عياد يخالط جماعة "تحت السور" حتى أنه توفى بمطبعة زين العابدين السنوسي سنة 1949.
وإذا كان أحمد عياد قد أخذ من ميول والده الوطنية كثيرا أو قليلا فإن بدايات محمد بوزويته في الوعي السياسي محجبة بالغموض. بمن تأثر قبل دخوله الشعبة عند نشأتها في 23 ديسمبر 1921 ؟
***
لقد كان عمره آنذاك واحدا وأربعين عاما. وإذا كنا نعرف أو يخيل إلينا أننا نعرف –بوزويته بداية من ذلك التاريخ فمعنى ذلك أننا لن نعرف إلا ثلاثة وعشرين عاما. وكم من شجرة جذورها ضربت في الأرض فتجاوز طولها الأغصان ! لكن تلك هي ضريبة الشهرة والظهور. فمن كان يخطر بباله أن يسأل بوزويته عمن لقنه أبجدية الوطنية والعمل الوطني ؟
إننا لا نملك في هذا المضمار إلا طاقة التخمين.
ما لا نشك فيه هو أن بوزويته تطور عبر السنين، فبوزويته الذي صوت لفائدة صالح حمودة سنة 1913 ليس ذلك الذي حوكم من أجل عقده اجتماعا بمنزله سنة 1924 ولا هو بوزويته الذي حير السلطة في كل مستوياتها سنة 1933 وإذا كان استعراض مسيرته السياسية يكشف ذلك التطور فإنه يمكن من الصعود إلى منابع الوعي في خط هو ذاته الوعي التونسي عموما.
قالوا إن اتصالاته بأسواق العاصمة مكنته من الاحتكاك بالرجال الذين تمت على أيديهم ولادة الحزب الحر الدستوري التونسي وعلى رأسهم عبد العزيز الثعالبي لكننا لا نملك دليلا على ذلك. ولو وجدنا دليلا لأدركنا سر هذا التشابه الغريب بين مسيرة عبد العزيز الثعالبي الإصلاحية ثم السياسية ثم انهياره ومسيرة بوزويته الإصلاحية ثم السياسية ثم انهياره ! ولم تفصل وفاتهما سنة 1944 إلا تسعة وأربعون يوما !
لا شك أن أحمد توفيق المدني – العضو النشيط باللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري التونسي – وهو رجل من أصل جزائري شأنه شأن عبد العزيز الثعالبي- حل بقصر هلال يوم 23 سبتمبر 1921[56] وهو على بينة من الوضع السائد بها.
فمن قام باستقباله ؟ وكيف كان استقباله ؟ ومن كان يعرف من السكان؟ لا ندري ! لكننا نعرف أن الاجتماع الذي تشكلت فيه أول شعبة دستورية بقصر هلال بل أول شعبة خارج العاصمة على الإطلاق وقع ذلك اليوم بدار الحاج سالم عياد لأن الرجل – كما رأينا- كان معروفا بكامل المنطقة بمواقفه الإصلاحية.
وإذا كنا لا نعجب من عدم ترؤسه للهيئة لتقدمه في السن – فالرجل كان عمره آنذاك 73 عاما – فإننا ما نزال نتساءل عن أسرار الترشح والانتخاب.
يقيننا أن أغلب أعضاء الهيئة لم يكونوا يدركون أبعاد انخراطهم في الحزب فضلا عن دخولهم هيئة الشعبة. وقد قال الحبيب بورقيبة في إحدى خطبه إن الناس لم يكونوا يفرقون بين الحزب السياسي وحزب العيساوية !
وإن المقارنة بين تركيب الهيئة سنة 1921 و 1924 توضح ما كان يكتنف أفكار أعضاء الهيئة الأولى من الغموض. فلم يمر على توليهم سوى ثلاثة أعوام حتى تخلى أغلبهم لأنهم كانوا يحسبون أنها هيئة أعيان. ولما انكشفت لهم الحقيقة انسحبوا. وبقي محمد بوزويته رفقة عبد الله بن محمد البهلول الذي لم يلبث حتى توفي سنة 1930.
لقد حدثت أثناء تلك الفترة حادثتان لا تبعثان على الاطمئنان وليس من شأنهما أن يرضيا الأعيان !
§ أوائل ديسمبر 1921 استقبل المقيم العام وفدا من الحزب الاصلاحي الذي أسسه حسن قلاتي يوم 16 أفريل 1921 وانظم إليه حسونة العياشي من مدينة سوسة والشاذلي القسطلي صاحب جريدة النهضة. وقد راح محمد بوزويته يحتج على تلك المقابلة معلنا أن الحزب الحر الدستوري هو الحزب الوحيد المؤهل لأن ينطق باسم الأمة التونسية[57] وهو موقف يكشف أن بوزويته كان يأخذ دوره الجديد مأخذ الجد. وإذا كان المقيم العام قد أصدر بعد ذلك بلاغا يعلن فيه أن المقابلة تمت بصفة شخصية فأن رفاق بوزويته بالشعبة لا يمكن أن يكونوا راضين عن فعلة زميلهم.
§ يوم 5 أفريل 1922 زحفت الجماهير التونسية صوب قصر الباي محمد الناصر بالمرسى لتعرب له عن مساندتها إثر تهديده بالاستقالة بسبب خلافات تتعلق بصلاحياته. وقد مثل قصر هلال وفد متركب من:
- خليفة بن علي المعلال (1903-1948) شيخ الحي الشمالي من 20-2-1941 إلى وفاته
- الناصر بن عمر نوار (1888-1966) : خياط[58]
- محمد بن عمر بوزويته (1880-1944) : تاجر
- صالح بن محمد مامة (1854-1929) : فلاح
- أحمد بن ابراهيم بورخيص (1883-1959) : تاجر
- منصور بن الحاج عمر بن الحاج سليمان (1899-1964): عدل ثم خليفة إلى 1956.
وهو وفد يمثل المجتمع الهلالي بكل أطيافه ويمثل الرأي العام بكل اتجاهاته ولا سبيل إلى أن يبحث له المرء عن قاسم مشترك ! وحتى الأعمار فقد تراوحت بين 19 و68 عاما. أما الشعبة فلم يكن يمثلها فيه إلا محمد بوزويته.
ويكشف هذان الحدثان أن الرجل لم يكن ينتمي إلى هيئة الشعبة إلا قليلا.
وعلى كل حال فقد احتجت الشعبة يوم 8 أفريل 1922 على توقيف جريدة "الصواب" التي نشرت خبر التهديد بالاستقالة[59] مع العلم أن صاحب الجريدة امحمد الجعايبي كان قد صحب أحمد توفيق المدني عند تأسيس شعبة قصر هلال سنة 1921.
***
حتى إذا جاء يوم 23 جانفي 1924 وأمضى مع الممضين في عريضة المطالبة بإرجاع مركز الخلافة إلى قصر هلال[60] فإن ذلك الإمضاء لم يكن إلا استجابة إلى رغبة محلية ناجمة عن تنافس قديم بين قصر هلال والمكنين. والله نحمد أنه لم تقع الاستجابة إلى تلك العريضة ولا إلى ما لحقها من العرائض. فلو أعيد المركز إلى قصر هلال لكان لتاريخها منعرج آخر. فقصر هلال كانت مستقلة – عمليا- منذ ألغي منها مركز الخلافة وهو أمر نرى ضرورة تأكيده لكل من رام درس تاريخ قصر هلال. والعريضة كان من دعاتها الناصر الشملي والصادق الديماسي لرغبتهما في تولي ذلك المنصب.
أما هيئة الشعبة فقد كان وجودها آنذاك شكليا يذكرنا بهيئة اللجنة التنفيذية الأولى التي كان يحرك سواكنها العضو الشاب أحمد توفيق المدني. حتى أن المراقب المدني بسوسة كتب يوم 8 أفريل 1922 بأن الناطق باسم الحزب الحر الدستوري بقصر هلال والداعي إلى الانخراط فيه هو أحمد بن سالم عياد[61] وهو ليس عضوا بالهيئة. وحتى يوم 11 جويلية 1923 فإنه هو الذي يجمع الأموال لفائدة الحزب بقصر هلال[62] وما احتجاج الشعبة يوم 8 أفريل 1922 على توقيف جريدة "الصواب" إلا لأن صاحبها امحمد الجعايبي كان قد رافق احمد توفيق المدني عند تأسيس شعبة قصر هلال[63].
***
أما تلك الهيئة فقد كانت تتركب من : [64]
- الصادق بن علي الديماسي (1884-1959) : رجل أعمال، عضو مجلس العمل بالمنستبر
- علي بن العامري الكعلي (1898-1940): مالك فلاحي وتاجر، وكيل جمعية الأوقاف من 1930.
- الحاج سالم بن امحمد عياد (1852-1928) : عدل وإمام أول
- احمد بن خليفة القصاب (1879-1954) : عدل
- محمد بن حسين بوزويته (1881-1974) : صناعي وتاجر
- محمد بن عمر بوزويته (1880-1944) : تاجر في مواد النسج
- عبد الله بن محمد البهلول (1875-1930) : حياكة
- محمد بن حمودة الممي (1876-1956) : حياكة
- محمد شوشان بايع راسه (1877-1940) : حياكة
وهي كما نرى هيئة يعوزها الانسجام وحتى تناسب الأعمار وإن كان معدلها 43 عاما فإنها كانت تتراوح بين 23 و 69 عاما.
[1] الأرشيف الوطني، السلسلة E، ص 246، ملف 12.
[2] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة، R781.
[3] كتاب : قصر هلال ومعركة التحرير، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1975، ص 23.
[4] الأرشيف الوطني، الدفتر 4065.
[5] الرائد الرسمي، 15 مارس 1916.
[6] الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 25، ملف 24.
[7] أحمد بكير محمود، قصر هلال ومعركة التحرير، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1975، ص 13.
[8] الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 25، ملف 24.
[11] أنظر رسالته إلى جريدة العمل يوم 15 جوان 1934 بالملحق 6.
[12] الأرشيف الوطني، السلسلةD ، ص 68، ملف 17.
[16] الأرشيف الوطني، السلسلة A، ص 149، ملف 4.
[17] جريدة الوزير يوم 26 جانفي 1926 ويوم 9 فيفري 1926.
[18] جريدة لسان الشعب، يوم 10 فيفري 1926.
[19] جريدة لسان الشعب 17 جانفي 1927 وجريدة الوزير : 15 فيفري 1927.
[20] جريدة لسان الشعب 21 سبتمبر 1927.
[21] جريدة لسان الشعب 7 سبتمبر 1927
[22] جريدة لسان الشعب 21 سبتمبر 1927.
[23] جريدة لسان الشعب 7 سبتمبر 1927.
[24] الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 25، ملف 24.
[25] جريدة "لسان الشعب" : 19 جانفي 1927.
[26] الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 96، ملف 14.
[27] الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 27، ملف2.
[28] جريدة "النديم" : 17 أكتوبر 1925.
[29] جريدة "النديم" : 19 ديسمبر 1925.
[30] جريدة "لسان الشعب"، 21 سبتمبر 1927.
[31] جريدة "النديم"، 10 ديسمبر 1927.
[32] من مخطوط يملكه السيد ماهر بن حمدة بن محمد سويسي يتضمن ما كان ينشده رجال زاوية سيدي بن عيسى بقصر هلال منذ أواخر القرن التاسع عشر.
[33] الأرشيف الوطني، السلسلة D، ص 151، ملف 28.
[34] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R9 و R676.
[35] جريدة الوزير، 13 نوفمبر 1930.
[36] الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 27، ملف 2.
[37] كنا ندعو المدرسة الحكومية باسم "المكتب" وتدعو مدرسة الهلال باسم "المدرسة".
[38] جريدة "الوزير"، 30 جانفي 1930.
[39] الأرشيف الوطني، السلسلةD، ص 68، ملف 17.
[40] أنظر مقال محمد الهادي العامري، مجلة "مرآة الساحل"، عدد 23، نوفمبر – ديسمبر 1971، سوسة.
[41] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676.
[42] جريدة "الوزير"، 30 جانفي 1930.
[43] وقد ألقى الطاهر صفر يوم 13 أوت 1930 أثناء الحفلة السنوية للمدرسة القرآنية بالمهدية خطابا نوه فيه بالحاج على صوة والهيكل العظيم الذي أنجزه ونشرته جريدة النهضة يوم 20 أوت 1930.
[44] تقرير أمني مؤرخ في 12 نوفمبر 1929 (المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676.)
[46] كتابنا : قصر هلال من النشأة إلى الاستقلال، تونس 2002، ص 77.
[47] وهذا يدل على أن فكرة إنشاء المستشفى الذي أنشئ بعد وفاة بوزويتة كانت من إيحائه منذ ذلك الحين.
[48] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676.
[51] تقرير أمني مؤرخ في 8 نوفمبر 1929، المعهد الأعلى، بكرة R676.
[52] تقرير 12 نوفمبر 1929 (المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676).
[53] جريدة الزهرة، 29 نوفمبر 1933.
[54] مرحلية التنظيم التعاوني الحرفي : مراد رقية، مطبعة SNIPE، تونس، بلا تاريخ، ص 205.
[55] بينما اعتبرت جريدة "الصواب" يوم 21 جانفي 1927 ذلك العزل "هفوة من الحكومة".
[56] أحمد توفيق المدني، حياة كفاح، ج1، ص 219، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع – الجزائر، 1976 والمعهد الأعلى، بكرة R26.
[57] ضمن 5 برقيات و 4 رسائل بها 97 إمضاء، جريدة الصواب، يوم 9 ديسمبر 1921، والمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R26.
[58] أكد لنا علي (يدعى حسن) بن احمد بورخيص (محمود حاليا) أن الصورة هي لمحمد ابن الحاج يوسف محمود (باشا).
[59] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R92.
[60] الأرشيف الوطني: السلسلة A، ص 149، ملف 4.
[61] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R94.
[62] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R92. .
[63] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR281..
[64] كتاب : قصر هلال ومعركة التحرير : أحمد بكير محمود، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1975، ص 13.
[65] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR92.
[66] قصر هلال ومعركة التحرير : أحمد بكير محمود، شركة فنون الرسم، تونس 1975، ص 16.
[67] مجلة "المؤتمر"، قصر هلال، مارس 1969.
نشرية الشعبة الدستورية بقصر هلال، 2 مارس 1974.
[68] كان الوفد متركبا من أحمد الصافي وصالح فرحات والطيب الجمل وأحمد توفيق المدني الذي رأينا دوره في تأسيس الشعبة وتجديد هيئتها.
[69] جريدة Le libéral ، 27 ديسمبر 1924.
[70] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R9.
[71] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR56 و R96.
[72] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R94.
[73] كتاب : مؤتمر البعث، نشر الحزب الحر الدستوري، تونس 1962، ص 53.
[74] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR97..
[75] جريدة النهضة، 23 ماي 1925.
[76] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR96.
Histoire du mouvement national n°3, les mouvements politiques et sociaux, institut supérieur de l’histoire du mouvement national, Tunis.
[78] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R97.
[79] جريدة لسان الشعب، أسبوعية، 24 جوان 1925.
[80] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرةR97.
[81] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R462.
[82] الرائد الرسمي، 18-3-1933
La Dépêche tunisienne – quotidien : 11-4-1933.
[83] المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، بكرة R676. .
[84] الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 15، ملف 1.
[85] الأرشيف الوطني، سلسلة الحركة الوطنية، ص 24، ملف 2.