البلدية مرفوضة مفروضة،مقال مهدى الى المجلس البلدي بقصرهلال رافع شعار الجودة الغائبة للحياة
كتبهاmourad regaya ، في 8 يونيو 2009 الساعة: 09:31 ص
العمل البلدي بين خدمة المواطن والتّوظيف السّياسي الضّيق
بقلم: محمد رضا سويسي
تعتبر وظائف البلديّة ومهامّها تجاه المواطن واحدة من أقرب الخدمات لهذا المواطن وأكثرها التصاقا بحياته اليوميّة في مختلف وجوهها فهي واحدة من أكثر الهيئات أدوارا وأشدّها تنوّعا وأهمّية في حياة الفرد والجماعة. فالبلديّة هي أوّل مكان يقصده المواطن لتسجيل مولوده الجديد في دفاتر الحالة المدنيّة، كما أنّها المكان الّذي يتّجه إليه لاستخراج رخصة بناء أو تحسين مسكنه، كما أنّها الجهة المسؤولة عن نظافة المكان الّذي يعيش فيه فهي المكلّفة برفع فضلات منزله وبتنظيف كامل المحيط من شوارع وأنهج وبطاح… بل إنّ هذه البلديّة تبقى تتابع المواطن بخدماتها حتّى نهايته لتكون المسؤولة على تهيئة المقابر حيث المثوى الأخير.
والبلديّة كهيئة محلّية تخضع لنوع من التّسيير المزدوج- إن صحّ التعبير- ، تسيير إداريّ يؤمّنه رصيد بشريّ من الموظّفين الإداريّين والتقنيّين القارّين يسهر على مختلف المصالح والأقسام ويمثّل خطّ التّواصل المباشر بين المواطن وهذا الجهاز الخدمي، وتسيير "سياسي" أو توجيهي يتمثّل في الإشراف وضبط التّوجّهات واتّخاذ القرارات الهامّة وهو من مهامّ المجلس البلدي يتقدّمه رئيس البلديّة وهي كما نعلم هيئة منتخبة دوريّا ويخضع انتخابها إلى نفس ميزان القوى الموجّه لبقيّة الانتخابات من رئاسيّة وتشريعيّة، كما أنّ حضور أحزاب المعارضة فيها كان دائما على قاعدة نفس النّسبة .
أمّا تمويل هذه الهيئات البلديّة فهو في جزء منه عموميّ وفي جزء هامّ منه يتأتّى من الجباية المحلّية أي من الضّرائب والمعاليم الجبائيّة والمداخيل المستخلصة مقابل الخدمات الّتي تسديها للمواطن في مختلف الأبواب الرّاجعة لها بالنّظر والمسؤوليّة ، وهي مداخيل تختلف أهمّيتها عادة باختلاف عدد سكّان المنطقة البلديّة وأهمّية الحركة الاقتصاديّة وتنوّع الأنشطة فيها.
إلاّ أنّ الملاحظ في هذا الإطار هو الحالة العامّة من التّشكّي والتّذمّر من رداءة العديد من الخدمات في أغلب البلديّات أو لنقل عدم ارتقاء هذه الخدمات إلى مستوى آمال وانتظارات السّكّان، بل إنّ البعض يذهب إلى المقارنة بين حجم الخدمات وجودتها وبين حجم الجباية المدفوعة فينتهي الاستنتاج إلى اختلال كبير في التّوازن على حساب المواطن.
ولئن كانت بعض الخدمات الإداريّة محلّ رضا عامّ مثل خدمة استخراج مضامين الولادة الّتي استفادت من تطوّر المنظومات الإعلامية فإنّ خدمات أخرى عديدة بقيت محلّ تذمّر عائد في الغالب إلى النّقص الكبير في الإطار البشري بسبب النّقص في الانتدابات. وهذا ينتج عنه كثرة الطّوابير وطولها في البلديّات حيث أنّه يمكن لأيّ مواطن أن يقضي ساعتين أو أكثر من أجل تعريف بالإمضاء أو نسخة مطابقة للأصل… أمّا إذا تعلّق الأمر باستخراج رخصة بناء -مثلا- بما يتطلّبه ذلك من معاينات ومتابعات فحدّث ولا حرج!!
أمّا النّقص الآخر البارز للعيان في أغلب البلديّات فهو النّقص في تجهيزات العمل وخاصّة المعدّة منها للنّظافة من أدوات عمل وشاحنات وجرّافات وغيرها حيث أصبح من العادي تراكم الفضلات أمام المنازل ليومين أو أكثر بكلّ ما يعنيه ذلك من تفشّي للرّوائح الكريهة ورداءة في المشهد ويبقى التّبرير المكرّر من البلديّة هو نقص التّجهيزات والأعوان … كما أنّ تشكّيات المواطنين في هذا الصّدد تمرّ كصدى في وادي أحيانا لعجز حقيقيّ في هذه البلديّات، لكن في غالب الأحيان لعدم اكتراث … فحتّى الحافز السّياسي النّاتج عن التّنافس الانتخابي محسوم سلفا في نظر القائمين على هذه البلديّات.
إنّنا إذ نكتفي بتعديد القليل فقط من النّقائص القائمة في العمل البلدي وهي البارزة للعيان والقابلة للإدراك بالعين المجرّدة فإنّ ذلك نابع من الوعي بأنّ المهمّ ليس لعن الظّلام إذ الأهمّ منه أن نضيء الشّمعة ونصنع النّور بلفت الانتباه إلى ضرورة أن يأخذ العمل البلدي بمختلف وجوهه وسبل الارتقاء به جودة ومردوديّة المكانة الّتي يستحقّها من حيث أنّه كما سبق الذّكر المحكّ الأوّل للتّعامل بين المواطن والإدارة والمجال الأوّل لرعاية وحماية المصالح الأكثر حيويّة لهذا المواطن.
إنّنا نعلم سلفا أنّ هذا الوضع الّذي تعيشه البلديّات ينسحب على أغلبها باستثناء بعض البلديّات الموجودة في بعض الواجهات السّياسيّة أو السّياحيّة الّتي تتمتّع بامتيازات استثنائيّة كما أنّها موجودة في مجالات نشاط اقتصاديّ وكثافة بشريّة تسمح لها بمداخيل جبائيّة وافرة. لكنّنا نعلم أيضا أنّ شروط النّموّ والتّطوّر متوفّرة لأكثر من بلديّة في أكثر من جهة كبيرة بنشاطها وعدد سكّانها لكنّ الخدمات فيها بقيت مراحل بعد الرّداءة.
إنّ البلديّات في مختلف أنحاء البلاد مدعوّة للعمل على الارتقاء بآدئها- لا بآداءاتها!! - إلى مستوى حاجات المواطن تنوّعا وجودة واختصارا للوقت. فالبلديّة هي أوّل مجالات اختبار مواطنة المواطن من حيث أنّها أقرب هذه المجلات إليه ليُجسّد فيها معادلة الحقّ والواجب كما أنّها الأقرب إليه ملاحظة ومعاينة بحيث تكون أغلب التّجاوزات ومظاهر سوء التّصرّف على مرأى ومسمع منه فمن خلالها تتأكّد ثقته أو تهتزّ في منظومة التّسيير برمّتها.
لذلك فإنّه يصبح من واجب البلديّات أن تسعى لتجسيم هذه الصّورة على الوجه الأمثل بإحكام التّصرّف في مواردها الماليّة وصرفها في الأوجه المعدّة لها باعتبارها أموال المجموعة المحلّية أمّنتها عليها لتخدم بها احتياجاتها ومصالحها لا لتكون وقودا لتفاعلات ومزايدات سياسيّة بل أحيانا ذاتيّة بحتة لا علاقة لها بالعمل البلدي.
كما يتعيّن على البلديّات مستعينة بالدّولة وفق الصّيغ المتداولة أن تعمل دائما على تجديد وتحيين مختلف تجهيزاتها سواء الإدارية أو تلك المستعملة في مختلف الأشغال من تنظيف وغيره حتّى تكون في مستوى تلبية حاجات المواطن وتلافي النّقائص القائمة والّتي تزداد تراكما وتفاقما كلّما وقع تناسيها ولم يتمّ تداركها. إنّ تعلّل البلديّة عن تأخّرها في القيام بعمليّة تنظيف متأكّدة بتعطل أصاب الشّاحنة لم يعد أمرا مقبولا من المواطن.
أما الرّصيد البشري لهذه البلديّات فهو بدوره يحتاج إلى الدّعم وذلك سواء من الاداريّين أو الفنّيّين أو العمّال إذ لا يعقل أن تتوقّف عمليّات جمع القمامة وعمليّات التّنظيف في بلديّات كبيرة حجما وكثافة بسبب عدم وجود عمّال تنظيف… وفي هذا الإطار فإننا ندعو هذه البلديّات إلى الاعتماد على عمّال قارّين منتدبين وعدم الاقتصار على الأعوان الوقتيّين.
كما يتعيّن على سلطة الإشراف القيام بعمليّة جرد دقيقة لأوضاع البلديّات والسّعي لتأهيلها إداريّا وبشريّا ومادّيا بحيث تكون قادرة على القيام بواجباتها على الوجه المقبول كما يتعيّن عليها تكثيف عمليّات المراقبة للحدّ من التّجاوزات ومختلف مظاهر سوء التّصرّف واستغلال النّفوذ.
إنّ البلديّات بأدائها وإشعاع القائمين عليها ومصداقيّتهم وشفافيّتهم إنّما تمثّل بوّابة أولى من بوّابات الانخراط في الثّقافة والوعي المدنيّين كما أنّها مجال حيويّ من مجالات التّربية على الدّيمقراطيّة وتكريس مفهوم المواطنة الّذي لا يمكن له أن يتجسّد في أبعاده الوطنيّة ما دام مختلاّ محلّيا.
(المصدر: صحيفة " الوطن" لسان حال الاتحاد الديمقراطي الوحدوي ( أسبوعية- تونس ) العدد 88 بتاريخ 5جوان 2009)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الأدبيات الصحفية المتناولة للاصلاح الاداري والبلدي | السمات:أين نحن من النموذج اللبناني/الوطن الأم للأميرة عليسة مؤسسة ديمقراطية قرطاج, المناضل الكبير أحمد عيّاد"البلدية مرفوضة لأنها مفروضة"
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























