العمل البلدي بين خدمة المواطن والتّوظيف السّياسي الضّيق
بقلم: محمد رضا سويسي
تعتبر وظائف البلديّة ومهامّها تجاه المواطن واحدة من أقرب الخدمات لهذا المواطن وأكثرها التصاقا بحياته اليوميّة في مختلف وجوهها فهي واحدة من أكثر الهيئات أدوارا وأشدّها تنوّعا وأهمّية في حياة الفرد والجماعة. فالبلديّة هي أوّل مكان يقصده المواطن لتسجيل مولوده الجديد في دفاتر الحالة المدنيّة، كما أنّها المكان الّذي يتّجه إليه لاستخراج رخصة بناء أو تحسين مسكنه، كما أنّها الجهة المسؤولة عن نظافة المكان الّذي يعيش فيه فهي المكلّفة برفع فضلات منزله وبتنظيف كامل المحيط من شوارع وأنهج وبطاح… بل إنّ هذه البلديّة تبقى تتابع المواطن بخدماتها حتّى نهايته لتكون المسؤولة على تهيئة المقابر حيث المثوى الأخير.
والبلديّة كهيئة محلّية تخضع لنوع من التّسيير المزدوج- إن صحّ التعبير- ، تسيير إداريّ يؤمّنه رصيد بشريّ من الموظّفين الإداريّين والتقنيّين القارّين يسهر على مختلف المصالح والأقسام ويمثّل خطّ التّواصل المباشر بين المواطن وهذا الجهاز الخدمي، وتسيير "سياسي" أو توجيهي يتمثّل في الإشراف وضبط التّوجّهات واتّخاذ القرارات الهامّة وهو من مهامّ المجلس البلدي يتقدّمه رئيس البلديّة وهي كما نعلم هيئة منتخبة دوريّا ويخضع انتخابها إلى نفس ميزان القوى الموجّه لبقيّة الانتخابات من رئاسيّة وتشريعيّة، كما أنّ حضور أحزاب المعارضة فيها كان دائما على قاعدة نفس النّسبة .
أمّا تمويل هذه الهيئات البلديّة فهو في جزء منه عموميّ وفي جزء هامّ منه يتأتّى من الجباية المحلّية أي من الضّرائب والمعاليم الجبائيّة والمداخيل المستخلصة مقابل الخدمات الّتي تسديها للمواطن في مختلف الأبواب الرّاجعة لها بالنّظر والمسؤوليّة ، وهي مداخيل تختلف أهمّيتها عادة باختلاف عدد سكّان المنطقة البلديّة وأهمّية الحركة الاقتصاديّة وتنوّع الأنشطة فيها.
إلاّ أنّ الملاحظ في هذا الإطار هو الحالة العامّة من التّشكّي والتّذمّر من رداءة العديد من الخدمات في أغلب البلديّات أو لنقل عدم ارتقاء هذه الخدمات إلى مستوى آمال وانتظارات السّكّان، بل إنّ البعض يذهب إلى المقارنة بين حجم الخدمات وجودتها وبين حجم الجباية المدفوعة فينتهي الاستنتاج إلى اختلال كبير في التّوازن على حساب المواطن.
ولئن كانت بعض الخدمات الإداريّة محلّ رضا عامّ مثل خدمة استخراج مضامين الولادة الّتي استفادت من تطوّر المنظومات الإعلامية فإنّ خدمات أخرى عديدة بقيت محلّ تذمّر عائد في الغالب إلى النّقص الكبير في الإطار البشري بسبب النّقص في الانتدابات. وهذا ينتج عنه كثرة الطّوابير وطولها في البلديّات حيث أنّه يمكن لأيّ مواطن أن يقضي ساعتين أو أكثر من أجل تعريف بالإمضاء أو نسخة مطابقة للأصل… أمّا إذا تعلّق الأمر باستخراج رخصة بناء -مثلا- بما يتطلّبه ذلك من معاينات ومتابعات فحدّث ولا حرج!!
أمّا النّقص الآخر البارز للعيان في أغلب البلديّات فهو النّقص في تجهيزات العمل وخاصّة المعدّة منها للنّظافة من أدوات عمل وشاحنات وجرّافات وغيرها حيث أصبح من العادي تراكم الفضلات أمام المنازل ليومين أو أكثر بكلّ ما يعنيه ذلك من تفشّي للرّوائح الكريهة ورداءة في المشهد ويبقى التّبرير المكرّر من البلديّة هو نقص التّجهيزات والأعوان … كما أنّ تشكّيات المواطنين في هذا الصّدد تمرّ كصدى في وادي أحيانا لعجز حقيقيّ في هذه البلديّات، لكن في غالب الأحيان لعدم اكتراث … فحتّى الحافز السّياسي النّاتج عن التّنافس الانتخابي محسوم سلفا في نظر القائمين على هذه البلديّات.
إنّنا إذ نكتفي بتعديد القليل فقط من النّقائص القائمة في العمل البلدي وهي البارزة للعيان والقابلة للإدراك بالعين المجرّدة فإنّ ذلك نابع من الوعي بأنّ المهمّ ليس لعن الظّلام إذ الأهمّ منه أن نضيء الشّمعة ونصنع النّور بلفت الانتباه إلى ضرورة أن يأخذ العمل














