مسيرة آل عياد رواد الحركتين الاصلاحية والوطنية بقصرهلال والوطن بقلم الاستاذ المرحوم الحبيب ابراهم

يونيو 5th, 2009 كتبها mourad regaya نشر في , 258267, دراسات واصدارات المرحوم الباحث الحبيب ابراهم, في الأسباب الحقيقية المعلنة وغير المعلنة لنكبة قصرهلال, في شروط البرّ بقصرهلال واستحقاق نعت"الابن البار", في ضرورة اعادة الاعتبار للمجتمع المدني الحقيقي المستقل عن التجمع الدستوري الديمقراطي, قصر هلال"الحقيقية"،أين هي؟؟؟, قصرهلال منارة حضارية متميزة محاصرة مكبّلة،تصفية لحساب؟؟؟

الــــــتزام
هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا
وأدّعيها وإن صاحوا وإن جلبوا
أقولها غير هياب وإن حنقوا
وإن أهانوا وإن سبّوا وإن ثلبوا

جميل صدقي الزهاوي

***
من تعلّق بالزائل زال ومن تعلق بالدائم دام

الحبيب ابراهم

 

لــماذا؟

كتبنا عن قصر هلال ولم تكن غايتنا تمجيدا لها. وكتبنا عن محمد بوزويتة والحاج علي صوّة ولم تكن غايتنا تخليدا لهما. فالماجد لا يمجد والخالد لا يطلب له الخلود. كتبنا عن قصر هلال لتذكير أبنائها بجذورهم. وكتبنا عن الرجلين نقلا لرسالتهما إلى الأحفاد. اللهم اشهد أننا بلغنا !
ونحن إذ نكتب اليوم عن آل عياد بقصر هلال فنحن في الحقيقة نكتب منهم ولا نكتب عنهم. هم الذين فعلوا فكتبنا، هم الذين أعطوا فأخذنا. وكذلك كان شأن بوزويتة والحاج علي صوة. لقد أخذنا منهم الكثير ولم نعطهم من عندنا شيئا. إنما هي " بضاعتهم ردّت إليهم".
بقي السؤال: لماذا كتبنا عن آل عياد؟ ولماذا عن آل عياد دون سواهم؟ سؤالان يفرضان نفسهما لأننا ندرك أننا سوف نكون محل اتهام أحببنا أم كرهنا!
***
نبدأ بحمد الله أننا لا ننتمي إلى تلك الأسرة انتماءا دمويا- كدنا نقول داميا- لا من قريب ولا من بعيد. فأسرة ابراهم تنتمي إلى "جماعة المرابطين" اوائل القرن التاسع عشر وأسرة عياد تنتمي إلى " جماعة الدحامنة"
ثم إننا كتبنا عن مسيرة آل عياد ولا عن آل عياد والفرق واضح. لماذا؟ وما علاقتها بي وبك وبنا؟
***
يتوقف المرء أثناء سيره امام مشهد يثيره أو بنيان يروقه أو شيء يدهشه أو يخيفه أو كائن يستفزّه، وتسأله: لماذا توقفت؟ فيردّ : أنظر ما أعلاه! انظر ما أبشعه! انظر ما أجمله! إلى غير ذلك من دواعي التوقف.
ولقد درسنا كل الأشجار العائلية بقصر هلال-جملة وتفصيلا- بداية من القرن الثامن عشر إلى أواسط القرن العشرين وتوقفنا عند شجرة "عياد". لماذا؟
***
لاحظنا أثناء تسكعنا بغابة الأشجار الهلالية أن بعضها يستوقفك لترسم على جبينها " حياكة" وترسم على جبين جارتها " فلاحة". تود لو تكتب تحت إحداها "عدول" أو " مشائخ" أو "وطنية" أو " تجارة". وترسم تحت بعضها "تناقضات". وقل ان تجد فيها شجرة تكتب تحتها " لاشيء"!
وقد يطبع شخص واحد بطابعه شجرته العائلية بكاملها. كذلك فعل محمد بوزويتة وكذلك فعل الحاج علي صوّة وكذلك فعل احمد بورخيص وكذلك فعل محمد ابراهم وغيرهم كثيرون. فإذا قلت: بوزويتة قيل محمد وإلا قلت: صوّة قيل: الحاج علي وإذا قلت: بورخيص قيل: احمد وإذا قلت ابراهم قيل: محمد.
وإذا قلت: عياد تلجلج اللسان!
لماذا إذن؟
***
لو انتزعنا من الغابة الهلالية شجرة بوزويتة وجذعها محمد لبقيت مكانها هوة يصعب ردمها
ولو انتزعنا من الغابة الهلالية شجرة صوّة لبقيت مكانها هوة يصعب ملؤها.
ولو انتزعنا من الغابة الهلالية شجرة عياد لبقيت مكانها هوّة لا يسدّها شيء. لأن انتزاعها يجرّ وراءه أشجارا كثيرة!
لهذا توقفنا عند شجرة عياد وتفرّعاتها أي عن مسيرتها وسوف نرى ما تختص به تلك المسيرة وسوف نسعى إلى نقل ما اقتنعنا به غير عابئين "بالقيل والقال" ووو…

جزيرة جربة وقصر هلال
كنا تحدثنا في غير هذا المكان عن احداث خطيرة عاشتها جزيرة جربة ودفعت بسكانها إلى الهجرة القسرية ( ) ورجحنا أن يكون حدوثها على دفعتين. فكانت الأولى حوالي سنة 1750 والثانية أواخر القرن الثامن عشر.
ربطنا الهجرة الأولى بانشقاق الأسرة الحسينية الحاكمة إلى باشية وحسينية سنة 1740 وتصدّع البلاد بكاملها. ولاحظنا أن جربة كانت ذات اتجاه حسيني شأنها شأن قصر هلال والمنستير. وهو موقف جر لأهلها الكثير من المتاعب قبل أن تعود الشرعية إلى الأسرة المالكة. ولا ننس ما حصل لقصر هلال التي هجرها أهلها حتى خلت من السكان سنة 1737 ووجدوا لهم بالمنستير ملاذا( )
***
شجرة آل عياد جدّها عياد بن الحاج مبارك بطيخ. وهو رجل كان ينتمي إلى" جماعة الدحامنة" كما جاء في دفاتر الأرشيف الوطني أوائل القرن التاسع عشر، وهي تسمية تدعو إلى التأمل. فهو اسم غير مألوف نقله دفتر القبائل سنة 1900 باللغة الفرنسية Rhamna لسوء قراءة المترجم لحرف الدال ( )
o هذا الاسم مشتق من دحمان وهو اسم يسند للذكر كما يسند للأنثى اسم دحمانة وصيغ منه الجمع على غرار: زراد- زراردة، جربوع-جرابعة، بوغزالة-بغازلة، بوزويتة-بزاوتة… وهو اسم تكاد تختص به جزيرة جربة. وقد تصفحنا قائمة سكان الجزيرة لسنة 1855 وعددهم 4652 فوجدناه اسما ولقبا بقرى قلالة وأجيم والماي وآركو ( ) كما كانت بجهة بني معقل منطقة الدحامنة ( )
o وأسرة جمور التي تحمل عقودها القديمة صفة " الشريف الهلالي" أسرة لا نشك في أصلها الجربي. أما صفة " الشريف الهلالي" فهي تشير إلى هجرة قديمة أتاحت للأسرة أن تسجل نهائيا ضمن الدفاتر الجبائية بقصر هلال. لا أكثر ولا أقل. وقد انتمت تلك الأسرة إلى مشيخة الدحامنة عند تأسيسها أوائل القرن التاسع عشر وتقمصت صفة" الشريف الهلالي " تاركة بجزيرة جربة الولي" سيدي جمور"
o وكذلك فعلت أسرة بوستة، فقد عاش بالجزيرة الشيخ الاديب أحمد بن محمد بن أبي ستة الذي توفي سنة 1651 وإبن اخيه الشيخ محمد بن عمر بن محمد بن أبي ستة ( ) وقد انضمت أسرة بوستة هي الأخرى إلى مشيخة الدحامنة وتحمل عقودها القديمة صفة " الشريف الهلالي".
o وجدنا لقب بطيخ بقرية تاوريت ضمن قائمة سكان جربة لسنة 1855 ( )
o كما وجدنا أشخاصا يحملون اسم عياد بقلالة واجيم وبني ديس وصدغيان
o وحين حذفت مشيخة الجرابة بالمكنين وقصر هلال في جوان 1889 انضمت أسرتا بنبلة والمكسي الجربيتان اللتان قدمتا إلى قصر هلال أوائل القرن التاسع عشر إلى جماعة الدحامنة.
o ولعله من المفيد أن نعلم أن ميدون واركو وبني معقل انتشر بها المذهب المالكي بدون منازع" وان تاوريت تقع في المرتبة الأخيرة من حيث انتشار الاباضية (3) وذلك من شأنه طبعا أن يسهل اندماج المهاجرين في الوسط الهلالي ذي المذهب المالكي.
o كل تلك القرائن تدعونا إلى الاعتقاد بأن غالبية جماعة الدحامنة أصيلة جزيرة جربة. وإذا تذكرنا أن النشاط الاقتصادي للمهاجرين من جربة يغلب عليه الجانبان الصناعي- أي الحياكة ( ) أو التجاري ولاحظنا- كما لاحظ
الكثيرون- تشابها في سلوكيات " الجرابة" و"الهلالية" أدركنا الدور الذي لا نشك في أن العنصر الجربي لعبه في تطوير المجتمع الهلالي ونقلته من مجتمع فلاحي منغلق إلى مجتمع صناعي وتجاري يجوب البلاد طولا وعرضا شأنه في ذلك شأن الجربي نفسه !
ثم يجب أن لا ننسى أن الجربي حسين بن خليفة المكسي كان شيخ الجرابة بالمكنين وقصر هلال قبل أن يصبح خليفة قصر هلال كلها سنة 1893. ألا يدل ذلك على منزلة اجتماعية مرموقة؟
وقد زالت مشيخة الجرابة اثر صدور أمر علي مؤرخ في جوان 1889 يقضي بضم الجرابة إلى العمل الذي استوطنوا به ( )
كل ذلك يدعونا إلى الاقتناع بان الحاج مبارك بطيخ كان جربيا قدم إلى قصر هلال خلال القرن الثامن عشر.

العائلات ( ) المنتمية إلى جماعة الدحامنة ( )
اللقب الأصلي اللقب الحالي اللقب الأصلي اللقب الحالي
1 ابن احمد(3) ابن احمد- الدغموري-الهدار 13 سعيدان سعيدان-الجمل-جمال الدين
2 ابن خديجة ابن خديجة 14 سويسي سويسي
3 ابن الشسيخ ابن الشيخ-فنتر-فنطر-شمشيق 15 الشايب الشايب
4 ابن الطرشة(4) جابر-عمار 16 الصانع(8) الصانع
5 ابن غزالة (5) بوغزالة-عوين 17 عبد الله عبد الله
6 بطيخ (6) بطيخ-عياد 18 غزيّل(9) منصور
7 بوغزالة بوغزالة-الأكحل-الاميم-الممي الوسطاني 19 القاتي(10) القاتي
8 جمور جمور 20 ماضي ماضي
9 حليلة (7) الزياتي 21 مغيث(11) مغيث
10 الخفّي الخفي-جعيدان-الغوالي 22 الهاني الهاني-حمزة-زغبيب-لولن
11 الدردوري الدردوري-الشليوي 23 الهيل(12) الأسود-شبروش
12 سعيد سعيد
ملاحظات:
ضبطنا القائمة أعلاه على ضوء وثائق الأرشيف الوطني التونسي:
1- أملاك الغابة بقصر هلال لسنة 1840 ( الدفتر 1652)
2- قائمة الذكور البالغين لسنة 1860 ( الدفتر 759)
3- قائمة الخطايا المسلطة على السكان إثر ثورة 1864 ( الدفتر 2445)
4- بعض المعلومات المتفرقة ( مشيخات-تجنيد…)
وقد مكنتنا تلك الوثائق والقائمات من اعادة تركيب الاشجار العائلية صعودا وتتبع تفرعها كما مكّنتنا من العودة إلى جذورها نزولا. مع العلم أن قائمات الأرشيف الوطني لا تمكّن من العودة إلى ما قبل القرن التاسع عشر.

فرع الحاج سالم من شجرة عياد

عبد الرحمان (13) سالم (14) مصطفى (15) علي(16) عبد العزيز(17)
حامد (10) أحمد (11) محمد(12)
عثمان (6) سالم(7) محمد (8) خليفة (9)
مبارك (3) امحمد (4) سالم (5)
امحمد (1) عياد (2)
علي الحاج مبارك
بطيخ

- امحمد بن علي بطيخ- موجود 1840 ( دحامنة)
2- عياد بن الحاج مبارك بطيخ- موجود 1840 ( دحامنة)
3- الحاج مبارك بن عياد بن الحاج مبارك موجود 1898 حج ثانية سنة 1874 (1)
4- امحمد بن عياد بن الحاج مبارك من قدماء العسكر، دفع 45 مطر زيت (1864)
5- الحاج سالم بن عياد بن الحاج مبارك بطيخ، جند سنة 1863، فر من الطبجية ( المدفعية) سنة 1874 هاجر إلى بنغازي بليبيا ( تجارة) له بها اربعة أولاد: علي، حسن، فرج، السنوسي) (2)
6-عثمان عياد توفى 1943 ( 80 عاما)
7- الحاج سالم بن امحمد عياد، اعفى من المجبى من 1876 إلى 1879، عدل من 31 اكتوبر 1882 توفى 1928 ( 75 عاما)
8 محمد بن امحمد عياد، جند 1864، موجود 1894 (عقد)
9- خليفة بن امحمد عياد، موجود 1897 (عقد)
10- حامد، ولد 1897 توفي 1961
11- احمد، ولد 1890، حياكة (1913) ثم تجارة، توفي 1949
12- محمد، عدل بقصر هلال من 6 سبتمبر 1911 توفي 1953 ( 70 عاما)
13-عبد الرحمان، ولد 1929
14-سالم، ولد 1933 توفي 1990
15-مصطفى، ولد 1921 توفي 1927
16-علي، ولد 1922 توفي 1977
17-عبد العزيز، ولد 1925 توفي 2000

 

 

الحركة الوطنية

الحركة الوطنية: عبارة تبدو خفيفة الظل يسيرة الفهم لكنها عند تفحصها مليئة بالفخاخ. ذلك أن المفاهيم تختلف باختلاف الاذهان. يرى بعضهم أنها تشمل كل حركة فردية أو جماعية تخدم الوطن. ويشترط آخر أن تكون جماعية ومنظمة. ويضيف آخر خطة وقيادة. ورغم انتفاء هذا الشرط فقد دعيت حركة 1864 ثورة رغم أن أساسها تمرد على الباي الذي ضاعف الأداء الشخصي (المجبى)
أما محتواها فيختلف بين كلمة تقال أو علم يرفع أو مظاهرة حاشدة أو قنبلة تصطنع أو كمين ينصب والحقيقة هي أنها كل ذلك.
وحسب هذه المفاهيم تتسع الحركة الوطنية أو تضيق.
ومن هنا جاء الاختلالف بين عبارات العصيان والانتفاضة والتمرد والثورة وقد جاء في كتيب نشره المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: "تمرّدت بعض القبائل بأقصى الجنوب التونسي أثناء الحرب العالمية الأولى "فاعتبرت تلك الحركة تمردا" ( )

الحركة الوطنية التونسية

إذا اتفق على أنها حركة مناهضة للاحتلال الفرنسي فقد اختلف فيما عدا ذلك. اختلف على بدايتها ونهايتها ومحتواها. رأى بعضهم أنها بدأت " بحركة الشباب التونسي" ورأى آخرون أنها بدأت بتأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 ورأى غيرهم أنها بدأت بتأسيس الحزب الدستوري الجديد يوم 2 مارس 1934. وقد يأتي من ينكر ذلك.
أما نهايتها فقد جعلها بعضهم حصول البلاد على استقلالها يوم 20 مارس 1956 وأضاف آخرون المعارك الفاصلة بين البورقيبية واليوسفية وأردف ثالث معارك الجلاء إلى يوم 15 أكتوبر 1963 وختم رابع بتأميم الأراضي يوم 12 ماي 1964 إذ " تكرست به السيادة على الأراضي" ( )
وأما عن المحتوى فقد سألت الهادي بن منصور قاسم( ): من هو علي بن اسماعيل بوعين ( ) بالنسبة إليك؟ فقال: خائن، ونعتته جريدة الوزير في آخر عدد لها يوم 8 ديسمبر 1955 بأنه شهيد. فهل هو خائن أم شهيد؟
لقد اقفل ملف شهداء الوطن بضحايا الجلاء سنة 1961 ( ) فبماذا ننعت جنديا تونسيا سقط اليوم؟
والطاهر بطيخ: ( ) رآه بعضهم مطيعا لتعليمات حزبية وخوّنه آخرون. زعم بعضهم أنه لقي مصرعه " نتيجة خيانته( ) ونرى أنه زعم باطل
وتأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1897 أو جمعية قدماء الصادقية سنة 1905 أليس عملا وطنيا؟ ( )
***
من الناس من عدّ أعوام الحياة انطلاقا من الولادة ومنهم من أضاف إليها ما يقضيه الجنين في بطن أمه وحتى قبل ذلك مستدلا بما يرثه المرء من أبويه وحتى من أجداده!
جاء في قاموس " لسان العرب": قوّم الشيء وقاومه حتى استقام أي اعتدل واستوى. وقوائم الدابة التي يكون بها اعتدال الدابة واستواؤها. والرجال قوامون على النساء أي قائمون بأمرهن حتى تستقيم شؤونهن وتعتدل.
وإذا قبل إن " الحركة الإصلاحية تتمثل في تقويم ما أعوجّ فكرا وسياسية" ( ) قلنا إن المقاومة هي العمل الهادف إلى ذلك التقويم. فهي إذن عمل اصلاحي يهدف أساسا إلى ارجاع الامور إلى الاستقامة. ويمكن أن ندرج ضمنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويمكن بالتالي أن نجعل من وسائلها النية والقول والفعل.
***
لقد أدرك قادة الحركة الوطنية التونسية عموما وعلى رأسهم عبد العزيز الثعالبي ضرورة المرور بالمرحلة الإصلاحية منذ حكمت عليه محكمة الدريبة بالعاصمة سنة 1904 بشهرين سجنا من أجل سبه لعبد القادر الجيلاني وطريقته القادرية ولاشك أن ما آلمه أكثر هو أن الناس كانوا يهتفون خارج المحكمة مطالبين بإعدامه. ولقد "عمّ البلاد جو من السكون والاستكانة" بعد فشل المقاومة المسلحة الأولى ( )
وأما بقصر هلال فقد كان دخول الجيش الفرنسي إلى القرية لأول مرة قادما من قابس وقضاؤه بها ليلة 12 جانفي 1882 فرصة لينكشف ما كان عليه الناس من اللاوعي. فقد تكفل مشائخ قصر هلال وعلى رأسهم الخليفة ومعهم الأهالي بجلب الحطب للجيش ودوابه بل ولم يحركوا ساكنا حين جمعت أسلحتهم وفرض على كل واحد منهم خطية لبرودة الاستقبال مع برودة الطقس! تصرفات كشفت سيطرة الطرق الصوفية أو المنتسبة إليها على العقول.
ثم جاءت صحوة النخبة. وجاء الصراع المرير بينها وبين قوى الجمود وجاءت مرحلة الإيقاظ والإصلاح. وهو إيقاظ استجاب له البعض وأزعج آخرين.
وقد أدرك قادة الحركة الوطنية بقصر هلال – بدورهم- وعلى رأسهم سالم عياد ثم محمد بوزويتة ضرورة التغلب على العدو الكامن في نفوس الهلاليين وكانت معركة ضارية بين رجال الإصلاح ورجال الزاويا امتدّت طوال العقد الثلاث من القرن العشرين.
وكانت لتلك المرحلة جولتان انتصر في الأولى رجال الطرق فأزيح الحاج سالم عياد من طريقهم سنة 1926 وانتصر رجال الإصلاح في الجولة الثانية.
***
الحركة الوطنية التونسية عموما والهلالية خصوصا مرّت- في نظرنا بمراحل أربع:
1- مرحلة اللاوعي
2- المرحلة الإصلاحية ( 1815-1920)
3- مرحلة المقاومة ( 1920-1952)
4- مرحلة المقاتلة ( 1952-1961)
وإذا بوّبنا الحركة على ما ذكرنا فهو تبويب نظري لا يعني الفصل ولا ينفي التداخل أحيانا كما لا ينفي حدوث انتفاضات في المرحلة الأولى (صفاقس- قابس…) ذلك أنه لا يمكن الفصل بين الإصلاح والمقاومة. وعموما فقد انتقلت الحركة الوطنية من النيّة المقاومة إلى اللسان المقاوم إلى الذراع المقاومة.
رمز الحاج سالم عياد إلى النية المقاومة ورمز ابنه احمد إلى اللسان المقاوم ورمز حفيده عبد العزيز إلى الذراع المقاومة.
وإذا كانت الحركة الوطنية شجرة فسالم عياد أحد جذورها وابنه احمد أحد جذوعها وحفيده عبد العزيز أحد أغصانها. أما النسغ فواحد سرى فيها جميعا، إنه دم واحد في ثلاثة أجساد.

الحاج سالم عياد والتاريخ

كتابان طرقا موضوع الحركة الوطنية بقصر هلال:
o كتاب: "قصر هلال ومعركة التحرير" الذي ألفه الدكتور احمد بكير محمود ونشره سنة 1975 ( الشركة التونسية للرسم)
o كتاب: " شروق وغروب" الذي ألفه ابراهيم عبد الله بلا تاريخ
( مؤسسة سعيدان بسوسة) والملاحظ أن الكاتبين من قصر هلال وإن جمعت بينهما أشياء وفرقت بينهما أخرى. ومما جمع بينهما أنهما أغفلا الحديث عن جذور ما تحدثا عنه، تصرفا وكأن الحركة الوطنية نبات من فصيلة الطحالب.
***
أما الأول -أي الدكتور محمود- فقد تعرّض إلى تأثر رجال الرعيل الأول بالدعوات الإصلاحية ثم بنشأة الحزب الحر الدستوري التونسي التي جعلها سنة 1917 (ص17) مرتكزا على التجارة التي كان يمارسها محمد بوزويتة أنذاك فجعل من الحركة الوطنية إحدى بضائعه المستوردة إلى قصر هلال. ولو كان الدكتور حاضرا لسألناه: هل محمد بوزويتة كان التاجر الهلالي الوحيد المتردّد على العاصمة؟ وهل أن التجار الهلاليين هم الوحيدون الذين كانوا يجوبون أسواق العاصمة؟ وهل أن نتائج تلك الاتصالات كانت واحدة لدى كافة المدن والقرى؟ وإن لم تكن كذلك فلماذا؟
نعم، نحن لا ننكر لما لتلك الاتصالات من أثر لكننا لا نعتبر ذلك التحليل كافيا.
وقد اضطر الدكتور إلى بعض التراجع عند حديثه عن انشقاق الحزب واجتماع يوم 3 جانفي 1934 بقصر هلال فكتب: كان شخص آخر له فعاليته كان قد اجتمع إلى الزعماء المنشقين وهو يعرفهم جيدا كما أنه ابن دستوري قديم له نصيب من الثقافة والمعرفة والذكاء. هو المرحوم احمد بن الحاج سالم عياد. يعرف بالشيخ عياد. تعلم بالزيتونة سنين ولم يتمّم دراسته بها. وكان صديقا للطاهر الحداد ومحمد علي الحامي وكان يكره زعماء اللجنة التنفيذية "(ص27)" "كان لا يقبل مسؤولية في شعبته ولكنه من كبار المناضلين" (ص30)
وكتب الدكتور عن مؤتمر 2 مارس 1934 بقصر هلال: "قرر الاستدعاء احمد ساسي الحجري واحمد عياد" (ص30)
كلام صحيح في أغلبه لكنه لا يشفي الغليل وهو يثير التساؤلات بأكثر مما يجيب عنها.
فهذا الأب " الدستوري القديم" ما حكايته؟
وهذه الكراهية لأعضاء اللجنة التنفيذية ما حقيقتها؟
***
وأما الكاتب الثاني- أي ابراهيم عبد الله- فهو رجل اعتبر حلوله بالساحة السياسية " شروقا" وغيابه عنها " غروبا". ولا عجب أن يعتبر الحديث عما جرى قبله أي الجذور ضربا من اللغو!
لم يكتف ابراهيم عبد الله بتجاهل الحاج سالم عياد ودوره الإصلاحي والعمل التجذيري الذي زرع به بذور الوعي الوطني بل ذهب إلى حد التوقف عندما اعتبره افراطا فكتب: " لا بد أن نذكر احقاقا للحق بعض المبالغات المرتكبة تحت ستار مقاومة البدع مثل مناهضة القدماء بوسائل عنيفة أحيانا بعض الجماعات من الاخوة حفاظ القرآن الكريم الذين كانوا يجهرون عن حسن نية بالذكر الحكيم وببعض الترنيمات الدينية البريئة في الجنائز وخلف توابيت الموتى قبل وصولها إلى مقابر المسلمين" (ص18).
ونسب مادعاه " بالمبالغة" إلى زيارة محمد عبده إلى تونس" في أوائل العشرينيات" ( هكذا) (ص18)
وهو كلام تنفيه الوثائق جملة وتفصيلا.
ذلك أن الأمر لا يتعلق بتلاوة آيات قرآنية من جهة ولا " بترنيمات دينية بريئة" ولم يكن الجهر بها عن " حسن نية" ولم يكن موقفه هذا " احقاقا للحق" حسب قوله: فالرجل كان يعتبر نفسه سليل امحمد بن عيسى وربما زرع فيه والده ذلك الاعتقاد بعد أن أوقف على الزاوية عددا من الزياتين حسب شهادة قائد المجموعة ابراهيم بن الحاج امحمد ( كوزانة) الذي استند إلى ذلك التحبيس ليصر على ممارسة طقوسه وتلاوة " دلائل الخيرات" بالجامع الكبير ( )
وقد وقع ابراهيم عبد الله رغم ثقافته النسبية في فخ الإعلام الشعبوي فاعتقد أنه سليل قبيلة بني هلال" تلك التي كانت أول القادمين إلى تونس" حسب قوله وأنه أصيل بلد عربي ( ) وأنه حفيد امحمد بن عيسى. وبالتالي فقد حق له أن يتدخل يوم 16 أفريل 1951 لدى الوزارة الكبرى لفائدة تعيين " قريبه" سالم الدوس مقدما على الزاوية عند وفاة سلفه ( ) وقد نقلت الوزارة الكبرى الطلب إلى عامل المنستير وانتهى الأمر بتحقيق رغبته فعيّن سالم الدوس نقيبا لزاوية ابن عيسى بقصر هلال يوم 18 نوفمبر 1951. ذلك كان الستار وهذا ما كان وراءه!
قال ابراهيم عبد الله متحدثا عن العشرينيات من القرن العشرين: " ظاهرة حب الوطن تنفرد بها قصر هلال" وهو زعم خطير فيه اقصاء وتبسيط. أما الاقصاء فيتمثل في التفرّد المزعوم الذي يستوجب مقارنات لا قبل له بها. وأما التبسيط فيتمثل في اعتبار حب الوطن اسقاطا علويا اقرب إلى الوحي منه إلى الوعي. وقد كان عليه أن يتساءل: من كان وراء ذلك الوعي؟ نعم لقد قال أن كتابه ليست بحثا اكاديميا ( ) ولم نكن نطلب منه مثل ذلك البحث. إنما كنا نطلب إعمال الرأي.
صحيح أن كتابه كان امتدادا لمسيرة خطابية ملتهبة. وقد كنا نرجو أن يبرّر فيه البعض من موافقة إزاء الحركة الوطنية بقصر هلال ورجالاتها. لكنه لم يفعل سوى أنه حاول طمس الجذور التي سبقت " شروقه" وربما كان لذلك أثر في "غروبه" ومن" غربل الناس نخلوه".
ولابد - لتدعيم كلامنا - من ذكر البعض مما لا حظناه من مظاهر الطمس:
1- ذكر ثمانية أسباب لانعقاد مؤتمر البعث بقصر هلال ولم يذكر من بينها الدور الذي لعبته "دار عياد" ولا دور صاحبها احمد عياد وهو الدور الذي اعترف به زعيم المنشقين أكثر من مرة.
2- ذكر الدارحين عرّج على زيارة احمد توفيق المدني- سنة 1922- حيث " عقد اجتماعا كبيرا في دار الحاج سالم عياد أي نفس الدار التي تأسست فيها أول شعبة دستورية-شعبة قصر هلال- والتي ستصبح بعد ذلك على ملك ابنه المرحوم احمد عياد مقرّا لمؤتمر البعث المنعقد في الثاني من مارس 1934" ( ) والحقيقة هي أن الاجتماع المشار إليه جرى في نوفمبر 1924 والاجتماع التأسيسي للشعبة جرى يوم 23 سبتمبر 1921. وقد حضر احمد توفيق المدني في كليهما.
3- جرى الاجتماعان والدار على ملك صاحبها الحاج سالم عياد. أما كان عليه أن يتوقف عند هذا الرجل؟ لماذا لم يقع الاجتماع بدار والده امحمد عبد الله مثلا؟ ثم لماذا انعقد المؤتمر بتلك الدار وهي على ملك أحمد عياد؟
كتب ابراهيم عبد الله:" استقر الرأي على عودة الزائرين ( الحبيب بورقيبة والطاهر صفر) في الليل وعقد اجتماع بدار المرحوم الشيخ احمد عياد التي تحمل اليوم اسم " دار المؤتمر" ( ). هكذا وبكل بساطة. فلماذا هذا القفز على الحقائق؟
صحيح أن الرجل لم يكن هدفه التاريخ بقدر ما كان هدفه " تصفية حساب" لكنه أضاع كليهما!

نشأة الحاج سالم عياد

نشأ سالم عياد في عائلة لسنا نملك عن ماضيها إلا شذرات متفرقة لكنها إذا جمعت أنتجت صورة بها ملامح مضيئة.
1- ولد سنة 1852 وهو تاريخ حددناه اعتمادا على السن التي وقع التصريح بها عند وفاته سنة 1928 أي 76 عاما. وهو تاريخ معقول إذا علمنا انه أعفي من الاداء ( المجبى) من سنة 1876 إلى سنة 1879 بسبب الدراسة وأنه عيّن عدلا يوم 31 أكتوبر 1882 ( ).
2- سمّي باسم عمّه الذي كان قد جنّد سنة 1863 ( ) قبل أن يفرّ من الطبجية ( المدفعية) سنة 1871 ( ) ويلجأ إلى القطر الليبي حيث راح يمارس التجارة وأنجب من الأبناء أربعة: علي وحسن وفرج والسنوسي. ولعل الاسم الأخير يدل على أن الرجل اندمج في مجتمعه الليبي. وقد تواصل البحث والملاحقة طيلة سنوات 1874 ( ) و1877 ( ) و1880 ( ) ولا شك أن صاحبنا قد عاش ذلك الفرار وتلك الأبحاث إذ كان قد تجاوز العقدين من العمر.
3- عاش النكبة التي حلّت بالمنطقة عموما وبقصر هلال خصوصا حين حلّ الجنرال احمد زروق ليقمع ثورة 1864 ويسلط انتقامه الرهيب الذي أتى على الأخضر واليابس. فرأى والده وهو يدفع غرامة مقدارها 45 مطرا من الزيت ( ) والمطر Metritis وحدة لكيل الزيت تقدّر بخمسة وعشرين لترا تقريبا. وقد وقع ذلك التغريم رغم أن والده المغرّم كان هو الآخر من قدماء العسكر.
فالواضح أن الجندي الهارب كان قد رأى مكاسب أخيه الجندي القديم وهي تسلب!
4- عاش الليلة الليلاء التي وطأت فيها جيوش الاحتلال الفرنسي أرض قصر هلال يوم السبت 12 جانفي 1882 بقيادة الجنرال لوجرو Logerot لتقضي الليل قبالة " سبالة العتراوي" بين قصر هلال وبوحجر. لقد كان جيشا جرّارا يتركب من 5505 من الجنود و185 من الضباط و533 من البغال
و 1612 من الابل و1058 من الخيول و188 من العربات ( ).
لا شك انه قد رأى ذلك الجيش قادما من المدخل الجنوبي للقرية. ثم رأى مشائخ القرية وهم يجمعون ما لدى السكان من السلاح وهي 76 قطعة ورأى السكان وهم يجمعون الحطب لتدفئة الجنود بأمر من مشائخ القرية وخليفتها. وقد كانت المكافأة غرامة سلطت على العساكر الهاربين ( ) رأى كل ذلك وعمره ثلاثون عاما ولما يمض على تعيينه عدلا بقصر هلال سوى عشرة أشهر.

مـسيرتــه

o بدأ حياته العامة عدلا بقصر هلال يوم 31 أكتوبر 1882 ( ) ولم يبلغنا عما سوى ذلك شيء حتى جاء يوم 25 سبتمبر 1909 وعيّن إماما ثانيا بالجامع الكبير بقصر هلال بعد وفاة حسن القصاب( ) ولم نعرف موقفه من إنشاء المدرسة الفرنكو عربية ذلك العام بينما راح زميله العدل علي ابراهم يرحبّ بالحدث عند زيارة المقيم العام Alapetite لقصر هلال يوم 9 أفريل 1909 وقد مكّننا ذلك الحدث وما تبعه من الأحداث من إدراك أن الرجل لم يكن يحب الظهور. وإن الوثيقة العدلية التي عيّن بموجبها إماما ثانيا بالجامع الكبير وهي مؤرخة في 14 سبتمبر 1909 تصفه بإمضاء واحد وأربعين من وجهاء البلد " بالفقيه النبيه الخير النزيه العابد الذاكر". والعجيب أن احد الممضين بتلك الوثيقة كان منصور بن علي الشملي والد الناصر الشملي الذي سوف يصبح العدو اللدود لسالم عياد. فسبحان مغيّر الأحوال! ( )
o ثم عيّن يوم أول مارس 1916 إماما أول بالجامع الكبير بقصر هلال بعد وفاة خليفة القصاب ( ) وخلفه في الإمامة الثانية علي ابراهم الذي لم تدم امامته طويلا إذ توفي في ديسمبر 1916.
o وقد بقيت خطة المدرس بالجامع شاغرة بعد وفاة خليفة القصاب فترشح لها كل من علي ابراهم والناصر الشملي وسالم عياد وأجريت على الثلاثي مناظرة يوم أول ماي 1916 كان فيها الفوز حليف الناصر الشملي ( ) وقد أعان ذلك الفوز صاحبه على النقلة عدلا من العاصمة إلى قصر هلال يوم 12 جانفي 1917 ( ).
o ومنذ عيّن الناصر الشملي إماما ثانيا بالجامع الكبير يوم 7 فيفري 1917 ( ) تلبدت الغيوم وبدأت المشاكل تسود الجامع الكبير ثم تتجاوز رحابه.
كان بالقرية آنذاك ستة رجال يحملون شهادة التطويع من التعليم الزيتوني، لكن الخلاف نشب بين اثنين: سالم عياد والناصر الشملي والحقيقة هي أن كل شيء فيهما كان يدعو إلى الخلاف.
فهنا سالم عياد رجل ملتزم لحدود مهنته مقتصر عليها إلى حدّ الانطواء لم يبلغنا عن أفعاله وأقواله الشخصية شيء. وهذا الناصر الشملي القادم من العاصمة لا يترك مناسبة تمرّ دون أن يسجل فيها حضوره. وهذا سالم عياد رجل كتوم لم نقرأ له سوى رسالتين دفع إلى تحريرهما دفعا بينما حرّر الناصر الشملي ما يزيد عن سبعة رسائل ( )
وهذا سالم عياد عاش مظلمة مزدوجة من الباي قبل الحماية وعاين الاحتلال الأجنبي والموقف السلبي للسكان فكره ما عاش وما رأى. وهذا الناصر الشملي أبوه منصور كان وما يزال من العناصر النشيطة بزاوية سيدي بنعيسى قبل أن يفسح له ابنه المجال ليمارس نشاطه الطرقي وتلاوة " دلائل الخيرات" بالجامع الكبير صحبة ثلاثة آخرين وعلى رأسهم ابراهيم كوزانة.
وجهان متنافران يمثل أحدهما عبد العزيز الثعالبي ويمثل الثاني محمد مناشو-وكلاهما- على غرار صاحبينا- متخرج بجامع الزيتونة!
وقد نجم عن اصطدام الرجلين صراع دام عشرة أعوام واستخدمت فيه اشد الأسلحة فتكا وكانت بفضله الصحوة والإصلاح "ورب ضارّة نافعة"!
***
ماذا كان موقف الرجلين من الأحداث الجارية؟ ماذا كان موقفهما من الحرب العالمية الدائرة رحاها والتي سقط خلالها بالجبهة الفرنسية أربعة عشر من أبناء قصر هلال؟
لقد عوقب الطاهر الزراد لمواقفه المساندة للسلطة العثمانية ( ) بنقله من الوزارة الكبرى إلى ثلاجة جمعية الاوقاف وعوقب المعلم محمد بلال-أصيل المهدية - بنقلة عقاب من المدرسة الفرنكو عربية بقصر هلال للسبب نفسه ( )
فماذا كان موقف الرجلين؟
ثم ماذا كان موقفهما حين راح الشيخ صالح حمودة- الذي سوف يصبح حليف الناصر الشملي لاحقا- يقود سكان القرية يومي 11 و 12 نوفمبر 1918 وفي مقدمتهم أتباع الزوايا تعبيرا عن ابتهاجهم لنهاية الحرب؟ ( ) لا ندري.
لكننا سوف نستشفّ تلك المواقف من خلال مراسلات الناصر الشملي من جهة ومواقف احمد بن سالم عياد من جهة أخرى.
وقد نجم عن اختلاف المزاجين واحتكاكهما حرارة بلغت حدّ الاشتعال! بدأ بمناوشات قلّ أن تخلو منها شراكة لكن سرعان ما تدخلت فيها أطراف أوسعت الخرق فاستعصى على الراتق!
وما يجب أن نعرفه هو أن دور الإمام الأول كان يتمثل في إمامة الصلوات الخمس. أما صلاة الجمعة بخطبتها فقد كانت تجري بالتداول مع الإمام الثاني. وقد كان تغيب أحد الإمامين يستوجب عذرا شرعيا ويفرض نيابة الشريك. وقد بدأت المناوشات حين رفض الناصر الشملي تلك النيابة بحجة أن عذر التغيب غير شرعي.
من هنا كان المنطلق
بدأ التذمر لدى قاضي المنستير إذ يتضح من رسالة الناصر الشملي المؤرخة في 15 جويلية 1921 أن الخلاف مع سالم عياد كان أقدم من ذلك. إذ تذمر المشتكي من تغيّب شريكه في الإمامة لممارسة أشغال فلاحية ( ) ومن الواضح أن التذمر كان وجيها لو صدر عن المصلين ولا عن إمام زميل! ومن الواضح أن الناصر الشملي كان يتصيد الذرائع للايقاع بزميله!
وقد ردّ سالم عياد على التهم نقطة نقطة يوم أول سبتمبر 1921 ( ) وتحدث قاضي المنستير يوم 26 نوفمبر 1921 عن الخلاف الناشب بين الرجلين بدون أن يجرؤ على الحسم ( )
وسرعان ما تحوّل الملف إلى الوزارة الكبرى والكتابة العامة للحكومة وحتى الاقامة العامة والباي نفسه!
استنجد سالم عياد بالشعبة الدستورية بقصر هلال واستنجد الناصر الشملي بالسلطة الحاكمة بمختلف مستوياتها.
o حتى إذا جاء يوم 23 سبتمبر 1921 فتح داره لينعقد فيها الاجتماع التأسيسي للشعبة الدستورية بقصر هلال الذي حضره أحمد توفيق المدني عضو اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري التونسي وصاحب جريدة "أفريقيا" وكان ميلاد أول شعبة دستورية خارج العاصمة ( ) وانتخب كاهية للكاتب العام ( ) ثم فتح سالم عياد داره ثانية في أحد أيام 16 و17 و18 نوفمبر 1924 لينعقد بها اجتماع لتجديد هيئة الشعبة بإشراف احمد توفيق المدني وراجح ابراهيم ( ) وقد تولى محمد بوزويتة رئاسة الهيئة الجديدة. وهو حدث إذا اعتبر منعرجا في تاريخ الحركة الوطنية بقصر هلال فإنه لم يغير من موقف سالم عياد رغم انسحابه من هيئة الشعبة لتقدمه في السن (72 عاما).
وإذا كان النزاع الناشب بينه وبين الناصر الشملي قد خمد نسبيا للسبب نفسه ولتفرّغ الثاني إلى مقارعة محمد بوزويتة الذي يهاجمه في عقر داره (الجامع الكبير) فقد قفز اسم سالم عياد إلى واجهة الأحداث مجدّدا حين كتب كاهية المكنين حمودة بن عمار يوم 28 سبتمبر 1926 بأن سالم عياد" متعصب مع أفراد ينتمون للحزب الدستوري"( ) كتب ذلك ولم يمض على تنصيبه كاهية سوى أربعة أشهر ( ) وقد حضر الناصر الشملي حفل التنصيب كما حضر في تنصيب سلفه الصادق بن حميدة يوم 16 جويلية 1924 لا باعتباره عدلا بل باعتباره إماما ( ).
o يوم 28 سبتمبر 1926 ذكر كاهية المكنين أن سالم عياد فتح داره سنة 1924 لوفود الدستوريين "فاجتمعوا فيها مع غالب أهالي البلد وألقوا خطبا دستورية" وطلب تنحية سالم عياد من الامامة الأولى لما لها من تأثير على الناس وساند المراقب المدني Fortier الاقتراح مساندة مطلقة ( )
فمن أين للكاهية أن يعلم بما حدث سنة 1924 وهو الذي لم يمض على تعيينه بالمكنين سوى أربعة أشهر؟ سؤال تفرض الإجابة عنه نفسها. والواضح من موقف المراقب المدني أنه لم يكن يعلم عن ذلك شيئا. لذلك تصرف كمن هبّ من نومه مذعورا. فقد كان الصادق بن حميدة أقل حماسا" من حمودة بن عمار وسوف نرى من هذا الموظف التونسي المزيد من هذا "الحماس"!
o وقد تلاحقت الاحداث إثر ذلك التقرير سراعا. فقد تحول الخلاف الشخصي- في الظاهر على الأقل- إلى معركة سياسية واضحة وهي معركة تحملت الوزارة الكبرى تبعاتها مادامت في حدود الخصمين والقاضي لكنها ضاقت بها ذرعا حين تدخلت سلطة الحماية. فتلقى الكاهية يوم أول ديسمبر 1926 إعلاما من الوزارة الكبرى بإعفاء سالم عياد من الإمامة الأولى بالجامع الكبير مع أمر بالبحث عن خليفة يقبله المصلون حسب العرف الجاري ( )
o اعفي سالم عياد من الامامة الأولى –إذن- يوم 29 نوفمبر 1926 لأنه " ارتكب ما ينافي شعار خطته"
o وحين توجه الكاهية إلى الجامع يوم 15 ديسمبر 1926 قصد فرض الناصر الشملي على المصلين وجد تجمعا مناهضا يقوده أحمد بن سالم عياد "أظهر من سوء الأدب والعجرفة والتشويش ما الله به عليم" حسب تعبير الكاهية الذي تذمر من حوالي المائتين" يزعمون أنهم منخرطين (هكذا) في الحزب الدستوري" وقد أذن بإلقاء القبض على خمسة منهم وحكم بسجنهم خمسة عشر يوما من أجل " التشويش بالطريق العام" وهم: محمد بن احمد القزوة -محمود بن عبد الله الكعلي-ساسي بن محمد الديماسي- عثمان بن الحاج محمد الديماسي بينما لجأ أحمد بن سالم عياد إلى الفرار ( ).
o واستبطأت الوزارة الكبرى ردّ الكاهية فعادت يوم 16 ديسمبر 1926 لتطلب إعلامها باسم الإمام الذي تم الاتفاق عليه ( ) فجاءتها يوم 23 ديسمبر 1926 رسالة من سالم عياد جاء فيها: " أتانا أمر تأخرنا من إمامة بلد قصر هلال بغتة من غير علم سبب"… وذلك نتيجة" وشاية من بعض المغرضين أعوذ بالله من شر الوسواس الخناس" وعبّر عن تعجبه من " السفارة كيف تقضي من غير تثبيت ولا صحة خبر ولا مراجعة"
هذه الرسالة الثانية والأخيرة لسالم عياد قصيرة لكنها تلفت النظر إلى أمرين:
1- سالم عياد لم يذكر اسم الناصر الشملي ولو مرة واحدة بينما ذكره خصمه مرارا.
2- استعمال كلمة "سفارة" – أي الإقامة العامة- يؤكد أن الرجل كان يدرك أن القرار كان صادرا عن سلطة الحماية وإن بدا ظاهريا أن مصدره الوزارة الكبرى وبالتالي فقد كان يدرك أنه قرار سياسي. وقد لفت نظرنا تعليق مخطوط جاء فيه: " يحفظ . القضيّة وقع البتّ فيها بأمر ملكي" Affaire réglée par ordre royal ( )
ثم جاء ردّ الكاهية يوم 26 ديسمبر 1926 بأن " الثقات وأعيان البلد اختاروا الناصر الشملي وانه لم يعترض عليه إلا ""النزر القليل من لفيف الناس ومن المشوشين المنخرطين بالحزب الدستوري" وأيده عامل المنستير والمراقب المدني ( ).
وردت الوزارة الكبرى يوم 5 جانفي 1927 على شكوى الكاهية ممّا لقيه بقصر هلال من " سوء الادب" بإبلاغه عن قدوم وفد من قصر هلال حامل لعريضة ترفض ترقية الناصر الشملي ومصر على أداء صلاة الجمعة بجامع المكنين. وقد جاء بتلك العريضة التي اطلعنا على نصها بأن ذلك الموقف الرافض للناصر الشملي سببه" ما شاهدنا من قلة التقوى وعدم اللياقة منذ زمن طويل"
وطلبت الوزارة مزيدا من البحث والإفادة مع عبارة " أكيد جدا" ثم جدّدت الطلب يوم 16 فيفري 1927.
وتدخلت الصحافة فكتبت جريدة الصواب يوم 21 جانفي 1927 أن تنحية سالم عياد " ذلك الرجل الذي عرف بحسن السلوك والاستقامة في دينه ودنياه"
" هفوة من الحكومة" وكتبت جريدة الوزير يوم 15 فيفري 1927 أن تنحية سالم عياد " الإمام العالم الفاضل" نتيجة حركة رجعية قام بها الامام الثاني بافتعال الحيل السياسية" ( )
o ولم يكن موقف الوزارة الكبرى-على علاته- خاليا من الحزم. فقد تلقّى كاهية المكنين منها يوم 28 مارس 1927 ردّا يتضمن رفضا لترقية الناصر الشملي. وكان ردّها صفعة أجاب عنها الكاهية يوم 31 ماي 1927 بلهجّة لا تخلو من المرارة بأن " أعيان وكبراء أهالي البلد عموما متفقون على الناصر الشملي" إلا بعض أنفار قلائل ممن لاخلاق لهم منتمين للحزب الدستوري تعرضوا في ذلك وأغروا بعض السذج والصبيان على التشويش والصياح" وان القاضي موافق على تعيين الناصر الشملي " ولم يبق إلا الترخيص من الجناب السامي" وأضاف أن " عدم تسمية الشيخ الناصر الشملي انتصار للمضادّين ولم يبق متعلقا بشخص الشيخ الناصر الشملي بل بشخصنا" ( ) وعلق المراقب المدني مساندا بأنه راسل الإقامة العامة في الموضوع أيام 8 نوفمبر 1926 و 12 مارس 1927 و2 جوان 1927.
o وقد حاول الأهالي تجاوز الأزمة فحرروا يوم 29 جوان 1927 عريضة للمطالبة بتعيين أحمد بن محمد الشرفي خلفا لسالم عياد. وهي عريضة وقع تجاهلها.( )
o وكثف الناصر الشملي مساعيه فكتب يومي 4 نوفمبر 1927 إلى المقيم العام لوسيان سان Lucien Saint مؤكدا " إني لست بدستوري"و6 نوفمبر 1927 إلى الوزير الأكبر طالبا الإنصاف من " جماعة الدستور" الذين لهم" اليد الطولى مع أصحاب الجرائد العربية" مذكرا بان الأسلوب الجاري في تعيين الامام يكون عن طريق الحكم السياسي" ومعترفا بأن " أفرادا على قدر عدد الأصابع أو أقل لا يصلون ورائي حيث أني لست بدستوري" مازجا هكذا بين الدين والسياسة.

o ولم يمض على المراسلة شهران حتى أقصى الكاهية حمودة بن عمار عن المنطقة ليحل محلّه يوم 5 جانفي 1928 محمد بن سليمان ( ) وهو رجل أكثر دهاء وأقل تهورا. وبذهابه ذهب السند الأقوى للناصر الشملي. لكنه لم ييأس من بلوغ غايته فكتب يوم 9 ماي 1928 مذكرا بموقف سالم عياد من التجنّس بالجنسيّة الفرنسية واعتراضه على دفن المتجنسين بمقبرة المسلمين ومناهضته للقراء بالجامع الكبير ذاكرا بأنه يجتمع بدكانه مع رجال الحزب الدستوري " يفتح لهم دكانه ويقرأ لهم جرائدهم" وأنه رفض عرضا من سالم عياد بأن " يكون معه يدا واحدة في الخطابة" ( )
o وتوفي الحاج سالم عياد بعد ذلك الكلام بستة وعشرين يوما أي يوم الثلاثاء 5 جوان 1928. وبتلك الوفاة انتهت حياة سالم عياد المنهزم وبدأت حياة سالم عياد المنتصر. فقد تحدثت جريدة " الصواب" يوم 6 جويلية 1928 تحت عنوان " مامات من لم يمت ذكره" عن جنازته التي صلّى بها أكثر من 400 رجل من الساحل بإمامة محمد بن حسين الورداني. وتحدثت جريدة " الوزير" تحت عنوان" فقيد الإصلاح" عن مقاومة سالم عياد " للبدع والضلالات" وتحدثت عن أعماله الخيرية وعن تأسيسه لمسجد ملاصق لداره توفي قبل إتمامه ثم أتمّه أبناؤه. (انظر الوثيقتين)
o وبعد وفاة الحاج سالم عياد لم يفارق شبحه المنطقة ومافتئ يقض مضجع المراقب المدني Fortier وحين طلبت الوزارة الكبرى يوم 20 جويلية 1928 من الكاهية الجديد ترشيح خلف سالم عياد أجاب يوم 21 أوت 1928 بأنه "استشار الأهالي والمصلين" وأنهم اتفقوا على انتخاب محمد بن سالم عياد خلفا لأبيه وأرفق اقتراحه بمذكرة كتب بها: " هو من أعيان قصر هلال. ثقة عفيف يصلح بهاته الوظيفة". لكن المراقب المدني لم يفارقه شبح سالم عياد فأبدى اعتراضه لأن المترشح" ابن رجل مواقفه معادية لفرنسا" فوقف سدّا منيعا في وجه كل من يحمل لقب "عياد" كاتبا حرفيا:" عائلة عياد وفيّة للدستور وهي تبعا لذلك لا تستحق أي عطف Sollicitude من الحكومة" وأضاف أن أحمد عياد" هو الذي كتب العريضة المرفوعة إلى الوزارة الكبرى من طرف الوفد وانه " لم يكف طيلة الحرب العالميّة عن الحركة المكوكية بين قصر هلال والجنوب" ( )
***
لقد كان خبر الاجتماع الذي انعقد بدار الحاج سالم عياد في نوفمبر 1924 لتجديد هيئة الشعبة الدستورية القطرة التي أفاضت الكأس فوقع توبيخ شيخ المنطقة الجوفية ( الشمالية) حسين بن امحمد بوزويتة لكتمانه الخبر وابدال كاهية المكنين بآخر أكثر حزما (وحمقا) ونزع قضية الخلاف بين سالم عياد والناصر الشملي من بين يدي قاضي المنستير الذي نفض منها يديه وتركيز النهضة على نقطة واحدة: سالم عياد رجل دستوري ( ).
والحقيقة هي أن الكاهية حمودة بن عمار ومن ورائه المراقب المدني Fortier جعل بتدخلاته الهوجاء من سالم عياد رمزا وطنيا بعد أن كان يغلب عليه الإصلاح الاجتماعي وحرم حليفه وحريفه الناصر الشملي من بلوغ غايته في تولي الامامة وتسبّب في تصلّب Radicalisation الحركة الدستورية بقصر هلال واشتداد عودها والتحام صفوفها. أما عامل المنستير حسن السقا والقاضي محمد مخلوف فقد كانا حسبما تشهد المراسلات والتعاليق مجرّد تابعين لا يعرفان سوى الموافقة.
وأما الوزارة الكبرى فهي وان ارتكبت " الهفوة" حسب تعبير جريدة "الصواب" بحكم الاتجاه السياسي الذي اتخذته القضية صمدت صمودا لافتا إزاء الضغوط التي سلطها الثلاثي عليها فأصرت على رفض تعيين الناصر الشملي خلفا لسالم عياد واستمر ذلك الرفض إلى استقلال البلاد وبقي المنصب شاغرا في المستوى الرسمي!
فإقصاء سالم عياد أضرّ بالناصر الشملي أكثر مما أضرّ بسالم عياد. فقد توفّي هذا الاخير يوم 5 جوان 1928 بعد إقصائه بعام ونصف وهي مدّة لو التزم فيها الناصر الشملي الصبر لنال بعدها مطمحه. لقد استعجل القدر وفي العجلة الندامة!
كان قد عاب يوم 7 ماي 1928 على سالم عياد وقوفه إلى جانب الدستوريين وادعاءه "خدمة الوطن" وكتب: وقفت عند خطتي الدينية" فهل كانت رسالته إلى المقيم العام يوم 4 نوفمبر 1928 وقوفا عند خطته الدينية؟ وهل كان حضوره تنصيب الكواهي بعنوان الإمامة وقوفا على الحياد حسب تعبيره؟ ثم أليس" حب الوطن من الإيمان"؟
لقد فضّل التشبّث بأذيال السلطة الحاكمة تشبّث الغريق بحبل النجاة حتى أننا عثرنا على نص خطاب قدّمه يوم 27 نوفمبر 1939 إلى الكاتب العام للحكومة Carteron عند زيارته لقصر هلال مرحبا باسمه الخاص و"باسم سكان قصر هلال كبارا وصغارا متعلمين وجاهلين ورجالا ونساء " ناعتا" الدولة الفرنساوية الحامية العظيمة" بأنها أم الديمقراطيات وينبوع التمدن والعدالة والانصاف والتي نفديها بكل عزيز ونفيس". وكان الامضاء باسم:" الناصر الشملي-إمام بقصر هلال". وقد ترجم الخطاب إلى الفرنسية حرفيا لأهميته الظرفية ( بداية الحزب العالمية الثانية) والسياسية. فمن سمح له بان ينطق باسم قصر هلال؟
وعلى كل حال فقد جاءت مظاهرات جويلية 1940 التي اعتقل فيها أكثر من مائة هلالي – بعد بضعة أشهر- لتمثل أحسن ردّ.
***
وبعد،
فماهي حصيلة العمل الذي قام به الحاج سالم عياد؟
سؤال نفضل الإجابة عنه بسؤال آخر: ماهي حصلية العمل الذي قام به محمد عبده وغيره من مصلحي العقول؟
تحدثت الصحف عن التقى والنزاهة والتعبّد ونوهت بمقاومة " البدع والضلالات" وأشادت بتوصيته بأن تشيع جنازته بلا نواح ولا عويل ولا تلاوة للقرآن بالشوارع فأصلح حيّا وميتا. وقد اقتدى به الكثيرون بعد ذلك. فقد كانت للرجل منزلة في نفوس الناس جعلت محمد بن الحاج محمد فنينة الكعلي يوصي عند وفاته يوم 31 أوت 1927 بأن يؤم جنازته سالم عياد دون سواه ( ).
قلنا في غير هذا المكان ( ) إنه كان " الزارع المباشر لبذور الإصلاح بقصر هلال على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي".
لقد اعتبرناه الممّر المباشر الذي سلكته الأفكار الإصلاحية بأصنافها. فالصحافة قد تكفل بتمكين الناس منها إذ شهد خصمه بأنه كان يقرأ للناس الصحف. ولا شك أن ما كان يلقيه على المصلين من الخطب أيام الجمعة هو الذي دعا السلطة إلى إقصائه عن الامامة الأولى بالجامع الكبير وهو الجامع الوحيد الذي كانت تؤدّى به صلاة الجمعة بقصر هلال.
***
لقد عين سالم عياد إماما ثانيا بالجامع الكبير يوم 26 سبتمبر 1909 ثم إماما أول يوم 1 مارس 1916 وأفسح له المنبر. فهل نرى عجبا أن يستقيل الحاج علي صوة من الاشراف على زاويتي سيدي عبد السلام بقصر هلال يوم 15 ديسمبر 1919؟ ثم ألا نرى أن جلّ أعضاء الشعبة الدستورية بقصر هلال انسحبوا عند تجديد هيئتها سنة 1924 وانه فتح داره مجّددا لهيئة أكثر إقداما؟
ألم يكن بذلك دافعا أساسيا لتولّي محمد بوزويتة قيادة الحركة الدستورية؟ ألم يكن سالم عياد صحبة محمد بوزويتة في خندق إصلاحي واحد؟
لقد اطلعنا على تقارير عديدة ذكرفيها الرجلان معا. لذلك قلنا: إذا كان لنا أن نشبه قصر هلال بالجسم البشري قلنا إن محمد بوزويتة كان قلبها وكان الحاج سالم عياد عقلها وكان الحاج علي صوّة ذراعها ( ) وإذا نعته الدكتور أنس بن عبد العزيز عياد بالأب الروحي ( ) فالتاريخ يشهد بان تلك الأبوة تشمل كافة سكان قصر هلال ممن تخلّوا عن الجحود.
ألا يكفي الحاج سالم عياد أنه " أنجب" الحاج علي صوّة ومحمد بوزويتة؟
أما ابنه أحمد فنفضل أن نترك للقارئ فرصة التعرف عليه في الصفحات التالية.
***
أنجب الحاج سالم من زوجته الأولى خليفة بنت علي بوراس ثلاثة أبناء وانجب من زوجته الثانية زينوبة ابنة عمه المقيم ببنغازي بليبيا بنتين. أما أبناؤه فهم: محمد (1883-1953) واحمد (1890-1949) وحامد ( 1897-1961) وهي أسماء تحمل بصمات من أسندها وأدخلهم الكتاب حيث حفظوا القرآن ثم زاولوا التعليم الزيتوني حيث تحصل الابن الأول على شهادة التطويع سنة 1910 بينما انقطع الآخران في منتصف الطريق. ولعله من المفيد أن نذكر قائمة الطلبة الذين زاولو

المزيد